أخبار ثقافية
03/03/2014

(أ ش أ)

 

يقام فى الرابعة من مساء بعد غد الأربعاء، حفل توقيع كتاب خرافة القوة العظمى، من تأليف نانسى سودربرج، ومن ترجمة أحمد محمود، بحضور المترجم، وذلك فى قاعة طه حسين بمقر المركز القومى للترجمة.

كما تقام ندوة لمناقشة الكتاب بحضور المترجم أحمد محمود والدكتور محمد عفيفى رئيس قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة القاهرة، والدكتور عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ الحديث بجامعة حلوان، والدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

يأتى الكتاب بتصدير الرئيس الأمريكى الأسبق بيل كلينتون، وعلى مدار 694 صفحة، وفى خلال 14 فصلًا تستعرض الكاتبة المذكرات السرية للبيت الأبيض فى عهد كلينتون، والتى رفعت عنها السرية، بحيث تقدم رؤى متعمقة تفسر عملية اتخاذ القرار، من خلال عملها كمستشارة للسياسة الخارجية فى ذلك الوقت، لتصل فى النهاية أن مستقبل أمن أمريكا يعتمد بالكامل على التغلب على خرافة القوة العظمى.

بحسب المؤلفة، فإن هذا الكتاب ليس عبارة عن مذكرات، بل أنه يقدم رواية لسياسة أمريكا الحديثة من خلال جميع المناصب التى شغلتها بداية من موقعها كأحد مساعدى حملة كلينتون الانتخابية فى العام 1992، وكمسئولة بمجلس الأمن القومى فى البيت الأبيض من عام 1993 إلى عام 1996 ،وسفيرة فى الأمم المتحدة من عام 1997 إلى عام 2001 وحاليًا داعية سياسية خارجية بمجموعة الأزمة الدولية التى لا تستهدف الربح.

ويأخذ الكتاب القارئ إلى ما وراء الكواليس، مستخدمًا المذكرات السرية التى رفعت عنها السرية مؤخرا، وغيرها من الوثائق والمقابلات الشخصية على معظم المستويات الرفيعة، وبذلك يقدم الكتاب رؤى متعمقة لعملية اتخاذ القرارات التى يواجهها كل الرؤساء،وهى العملية التى يمكن أن تكون عشوائية وغير منظمة، وتقوم بالتأكيد على معلومات غير مكتملة، وغالبًا ما تنطوى القرارات على الاضطرار للاختيار بين خيارات تفتقر جميعها إلى الجاذبية، حيث يهدف هذا الكتاب إلى أن يكون شهادة على تصحيح أهمية دور أمريكا القيادى ومسئوليتها فى العالم وبالرغم من هذا الدور فقد اظهر الحادى عشر من سبتمبر ضعف أمريكا، لذا فان مستقبلها يعتمد على إنهاء خرافة القوى العظمى.

تخلص المؤلفة فى نهاية الكتاب إلى أن المسار الجديد للسياسة الخارجية الأمريكية، يجب أن يعمل باتساق مع المجتمع الدولى بدلا من التصادم معه، حيث رغم إنها قوة عظمى، إلا أن تحديات القرن الـ21 لا يمكن التغلب عليها إلا بحشد الرأى العام العالمى لمصلحة أهداف أمريكا وبالقيادة على نحو يتبعه العالم، حيث أدت سياسة الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة إلى انتكاس هذا الهدف.

وبحسب المؤلفة، فإنه يتعين على القوة العظمى الوحيدة تنظيم قواها، تلك القوى التى تتجاوز جيشها، فلهذا – على حد قولها - فإنه من الواجب أن تستعيد أمريكا مكانتها باعتبارها البلد الذى يلهم التغيير ويقود الآخرين إلى تحسين المجتمع العالمى

اليوم السابع.

03/03/2014

استحق الفنان العراقى يوسف العانى مواليد 1927، جائزة الشارقة للإبداع المسرحى فى دورتها الثامنة 2014 تقديراً واعترافاً بدوره الكبير فى إثراء حركة المسرح العربى خلال مسيرة امتدت لما يزيد عن 60 سنة.

وتمنح الجائزة التى أسست 2007 بتوجيهات من الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمى عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، فى حفل افتتاح الدورة الرابعة والعشرين لأيام الشارقة المسرحية التى تنظم خلال الفترة 17- 25 مارس 2014.

وقال أحمد أبو رحيمة مدير إدارة المسرح بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، مدير أيام الشارقة المسرحية، إن عطاء الفنان يوسف العانى المتصل فى المسرح لم يقتصر على العراق بل بلغ الحواضر العربية فى معظمها وتميز بالأصالة والرصانة والجدية، وذكر أبو رحيمة أن رائد المسرح العراقى كان له دوره المهم فى ترسيخ ثقافة المسرح فى المجتمع العربى وهو شجع وحفز العديد من الفنانين والموهوبين على الانخراط والمثابرة فى المسرح برغم الصعوبات ومشكلات السياسة فى بعض المجتمعات العربية.

وأضاف أبو رحيمة، أن جائزة الشارقة للإبداع المسرحى العربى هى بمثابة رسالة محبة وتقدير واحترام لتجربة الفنان الذى ظل وفياً للمسرح ولم يدخر جهدا لتكريسه ودفعه وتطويره.

والعانى من مواليد العراق وهو استهل مشواره مع المسرح فى مطلع أربعينيات القرن الماضى وعُرف مؤلفاً ومخرجاً وممثلاً، وعلى رغم التحاقه بقسم التمثيل فى معهد الفنون الجميلة ببغداد إلا أنه لم يكمل سنته الرابعة والأخيرة. كان العانى درس فى كلية الحقوق واشتغل بالمحاماة سنوات عدة فى أوائل الخمسينيات كما عمل معيدا فى كلية التجارة والاقتصاد فى جامعة بغداد.

وترتبط العديد من المواعيد التأسيسية فى مسيرة المسرح العراقى بمساهمات العانى، فهو ساهم بتأسيس فرقة المسرح الفنى الحديث مع الفنان الراحل إبراهيم جلال كما أسس العديد من الفرق المسرحية فضلا عن استقطابه العديد من الوجوه المسرحية الجديدة لإثراء مجالات التمثيل والإخراج والكتابة فى التجربة العراقية.

وفى أواخر الخمسينيات سافر العانى للتعرف على التجارب المسرحية فى الاتحاد السوفيتى وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا وتأثر بما شاهده وتعرف إليه فى تلك المسارح.

وخلال مسيرته الطويلة حاز الفنان العراقى على العديد من الجوائز والتكريمات سواء فى بلده أو فى عواصم مسرحية عربية مثل الشارقة وقرطاج ودمشق وسواها.

وكان الفنان المسرحى المصرى الراحل سعد أردش فاز بجائزة الشارقة للإبداع العربى فى الدورة الأولى 2007، ومنحت فى الدورة الثانية للفنانة المغربية ثريا جبران، وفى دورتها الثالثة ذهبت إلى الفنانة اللبنانية نضال الأشقر، وفى دورتها الرابعة استحقها الفنان الكويتى سعد الفرج، وكرمت بالجائزة فى دورتها الخامسة الفنانة المصرية سميحة أيوب، فيما نال السورى دريد لحام جائزة فى دورتها السادسة وكانت الشارقة احتفلت بمنح الجائزة فى دورتها السابعة للفنان الكويتى عبد الحسين عبد الرضا.

03/03/2014

صدر عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية العدد الجديد من سلسلة "أوراق"، والذى يأتى بعنوان "الدراسات المستقبلية فى مصر.. الإطار، الأمثلة، المنظورات"، للبروفيسور إدجار جول، وترجمة محمد العربى.

وفى هذه الورقة، يلقى البروفيسور إدجار جول الضوء على خصائص وظروف ومؤسسات واتجاهات الأبحاث المستقبلية فى واحدة من أكبر بلدان المنطقة العربية والإسلامية وأكثرها تأثيرًا، وهى مصر.

وتعتمد هذه الورقة على العمل المتواصل لمدة عامين فى مركز الدراسات المستقبلية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصرى

اليوم السابع.

03/03/2014

صدرت، حديثا، عن المركز القومى للترجمة، النسخة العربية لكتاب (المسيحيون واليهود فى التاريخ الإسلامى العربى والتركى) من تأليف فيليب فارج ويوسف كرباج ومن ترجمة بشير السباعى.

يذكر المترجم الكبير بشير السباعى فى مقدمة الكتاب، أن هذا البحث المهم هو أول محاولة علمية لتناول مجمل التاريخ الديموجرافى للمسيحيين واليهود فى عالم الإسلام العربى والتركى منذ بدايات الدعوة المحمدية وإلى الآن.

ويكشف هذا التاريخ عن حركة ازدهار واضمحلال الدول التى عرفها عالم الإسلام العربى والتركى ومستويات ضغط الغرب على هذا العالم.

كما يكشف البحث عن تعرجات تاريخ الجماعات المسيحية واليهودية والمسلمة تبعا للتحولات التاريخية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأيدلوجية التى أثرت على تطور عالم الإسلام العربى والتركى.

وعبر 315 صفحة يأخذنا الكتاب فى رحلة زمنية طويلة، حيث يتحدث الفصل الأول من الكتاب عن (قيام الإسلام فى الشرق العربى)عبر تسعة قرون أى من الهجرة إلى سقوط المماليك ثم يتحدث فى الفصل الثانى عن (نزع المسيحية عن أفريقيا الشمالية) حيث إن المغرب البعيد عن القلب الجغرافى للإسلام سرعان ما سينقسم إلى كيانات صغيرة لها صبغات أمم أولية ومن ثم قادرة على تحقيق التجانس ثم يصبح شاهد وقوة الصدام الأمامى الكبير الأول مع الجماعة المسيحية اللاتينية لزمن إعادة الفتح (الأسبانية) وعندئذ تنتقل بقايا المسيحيين المحليين إلى الإسلام.

يأتى الفصل الثالث بعنوان (جماعتان مسيحيتان وجها لوجه فى زمن الحروب الصليبية) والذى يتحدث عن تحفظات الجماعة المسيحية العربية تجاه الجماعة المسيحية العربية اللاتينية والتى كان من المفترض أن تمد لها يد العون ولكن هذا لما يحدث، أما الفصل الرابع، والذى يأتى بعنوان (الإسلام تحت الهيمنة الاستعمارية فى المغرب) فيروى فيه الكاتب المواجهة الثالثة والأخيرة بين الإسلام والجماعة المسيحية والتى سوف يكون مسرحها المغرب الكولونيالى.

ثم يتحدث الفصل الخامس عن اجتياح العثمانيين للشرق العربى بعد فتحهم البلقان فإنهم سوف يكونوا مزودين بخبرة فى مجال الحوار بين الطوائف وسوف يسمحون بنهوض للجماعة المسيحية العربية بشكل غير مسبوق، ولما كانوا مؤسسين لإمبراطورية فأنهم يسعون للسيطرة لا للامتلاك فمنذ دخولهم للقسطنطينية سوف يعترفون بوجود جماعى للأقليات الطائفية برفعها إلى مصاف الملل وبمنحها استقلالا ذاتيا لتصريف شئونها الدينية والحقوقية والثقافية والصحية.

أما الفصل السادس فيأتى بعنوان (من الإمبراطورية المتعددة القوميات والطوائف إلى الجمهورية العلمانية:اختفاء المسيحية من تركيا،ثم يتطرق الفصل السابع إلى (إسرائيل والديموغرافيا) حيث يتحدث عن تأسيس الجماعة اليهودية لدولة قومية،أما الفصل الثامن والأخير فيتحدث عن الجماعة المسيحية فى القرن العشرين.

ويقول المؤلف إن هذا التاريخ ليس مجرد تاريخ لتعاقب ديانات تدعو إلى وحدانية الرب فهو أيضا تاريخ سلسلة من الاختراقات الصاخبة أو الصامتة.فمن فرسان الإسلام وبدو شبه الجزيرة العربية إلى الصليبيين ومن المغول إلى الأتراك ومن الأوروبيين اللاتينين إلى اليهود الأشكنازيين وتقدم جميع الأحداث شبها غريبا فى استهلالها فالقادم الجديد يستولى على السلطة.

والموجة التالية تسلك طرقا مختلفة،وتصبح بعض الأقليات اغلبية،فمثلا من هو التونسى الذى يحس اليوم بأنه غير عربي؟ حيث كانت النتيجة أن يذوب البعض فى البعض الأخر، أما بالنسبة للجماعة المسيحية المحلية التى كانت من قبل اغلبية فهى تصبح أقلية تواصل البقاء فى هذا المكان أو ذاك بينما تتلاشى فى أماكن أخرى.

المؤلف فيليب فارج يعمل مديراً للبحوث فى المعهد الوطنى للدراسات الديمقراطية فى باريس، وهو محاضر فى معهد باريس للعلوم السياسية وفى كلية الدراسات العليا فى العلوم الاجتماعية،ألف خمسة كتب وأكثر من خمسين بحثا حول موضوع “قطاعات السكان العربية". وهو مستشار للأمم المتحدة ولوزارة الخارجية الفرنسية.

كرباج يوسف،يعمل باحثا فى المعهد الوطنى للدراسات الديموغرافية بباريس،له العديد من المقالات فى مجال الديمغرافيا النسبية ودراسات الشرق الأوسط.

المترجم بشير السباعى،الشاعر والمؤرخ والمترجم المصرى المعروف،نقل عن الروسية والانجليزية والفرنسية أكثر من سبعين عملا ابداعيا وفكريا.

03/03/2014

حوار سماح عبد السلام

 

أكد الكاتب السودانى طارق الطيب أن الأدب السودانى خرج من عباءة الطيب صالح، وأن النقاد هم الذين يحصرونه فى شخصه، مشددًا على ضرورة البحث عن أدباء جدد بإمكانهم الوصول للعالمية.

وحول روايته "الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا" الصادرة عن دار العين للنشر، كان لـ"اليوم السابع" هذا الحوار..


ما الأجواء التى تدور حولها الرحلة 797؟

هى رحلة حب وعشق بين شخصين من المفترض أن تكون مستحيلة، ولكنها أصبحت ممكنة من خلال الرواية بين "آدم" مرمم المخطوطات المقيم فى فينا، وليلى أستاذة اللغة الألمانية بالقاهرة، حيث تدور الأحداث فى فيينا خلال زيارة ليلى لها، والتى تشعر بالانجذاب لشخص آخر، يدفعها لذلك طريقة معاملة زوجها الفجة وبرود شقيقها، فتبحث على من يتناسب مع أفكارها.


ألا ترى أن ثمة رابط مشترك بين رواياتك السابقة والرحلة 797 من حيث المكان والعلاقة بين الأبطال؟

يوجد رابط مشترك بين الرواية الأولى والثانية، وبين الثانية والثالثة، فى كون المكان يجمع بينهم جميعاً. الرابط الأول هو أن "حمزة" فى مدن بلا نخيل، شخص صغير، يتنقل من مكان لأخر إلى أن يذهب إلى أوربا ثم يعود لمكانه الأول، لنراه ينتقل إلى فيينا. فى الرحلة 797 تختلف شخصية آدم عن حمزة لكن المكان واحد، والقصص تختلف، فى الأولى النساء أوروبيات بينما فى الثانية تطرأ شخصية عربية عكس المُعتاد.


يتجلى أثر المكان فى كتابتك.. فهل من الممكن وصف ما تقدمه بـ"أدب المهجر"؟

أحاول الكتابة عن المعالم التى أعرفها. القاهرة كمكانى المصرى، فيينا مدينتى الأولى والتى أصبحت أعرفها جيداً كونى أقيم بها منذ 30 عاماً. ولكن لا أحب تعبير أدب المهجر، لأنه يخرج الأدب من سياقه الحقيقى، ولا أحبذ التصنيف. فهل نطلق على أديب أوربى "مستشرق" لأنه عاش فى القاهرة وكتب عنها رواية؟ أفضل أن يكون التصنيف على النص المكتوب، نعم أنا مهاجر، وكل شخص يقابل ظروفاً وأشياءً متشابهة وأخرى مختلفة أكثر. ليس من الضرورى أن نطلق على كل ما يكتب فى الخارج أدب مهجر لمجرد أن الأديب يعيش فى الخارج.


شغلت تجربة الغربة حيزاً كبيراً فى كتابتك فإلى أى مدى تلمس ذلك؟

الغربة حالة تماس وجدانى. سافرت بوجدانى المصرى السودانى بنفس الشكل والإحساس، لكنه طرأ على مكان جديد، المكان بشروطة التى دخلت عليها كانت صعبة بالنسبة لى، فى البداية لم أفهم لغته، عاداته وتقاليده وجدت به صدمات. وكان على أن أجد له عدة مفاتيح لكن الجميل فى الأمر أن يكتب الكاتب عن عتبة المرور من الشرق للغرب. وهذه النقطة تشغل الكثيرين من أجل معرفة المعاناة بالمعنى الحقيقى للموقف. الانتقال من مكان لآخر وكيف أستخلص أموراً من حياتى فى الكتاب .


هل ستقدم جزءا ثانيا لكتابك "محطات من السيرة الذاتية" كونك قدمته فى مرحلة عمرية متوسطة، وما هى رؤيتك لانتشار هذا النوع مؤخراً؟

بالفعل أعُد حالياً لجزء ثان، فالأول تناول 25 عاماً قضيتها فى القاهرة، لذا لابد أن أقدم جزءًا آخر يعبر عنى فى فيينا والتى قضيت بها 30 عاماً، خاصة أن طريقة الكتابة سوف تختلف عن السابق من حيث الجرأة، فالحديث عن الأجانب والعلاقات بالنسبة لهم يعُد تاريخ، يتفهمونه جيداً عكس ما يحدث فى الشرق. وانتشار كتابة السيرة الذاتية شىء إيجابى، ولكن لابد أن يُكتب بحيادية وصدق تام، وإلا فلا جدوى منها.


هل خرجت الرواية السودانية من عباءة الطيب صالح؟

للأسف إذا لم يتطرق النقد الأدبى لدينا للطيب صالح شعر أنه عار، رغم اعتزازنا به كقامة أدبية كبيرة، وأباً للرواية السودانية، إلا أنه لابد من الخروج للبحث عن آخرين والاعتراف بالأدب الجديد الذى يمكنه أن يصل إلى العالمية، للأسف نتسبب فى إعاقة الأدب السودانى، كما حصرنا الرواية المصرية قبل عشرين عاماً فى نجيب محفوظ وعمل مقارنات دائمة بينه وبين الجيل الذى يليه، وهو ما لم يحدث فى الخارج

اليوم السابع.

02/03/2014

الإشراف الداخلي في صناعة الفنادق

 

  • المؤلف: سامي عبد القادر سعيد
  • الناشر: مجموعة النيل العربية

لقد ساهمت النهضة الهائلة في وسائل الاتصال والانتقال خلال السنوات الماضية على تشجيع السياحة الدولية التي أصبحت سمة بارزة من سمات العصر الحديث، الأمر الذي ترتب عليه زيادة أهمية الصناعة الفندقية في مصر، وحيث إن السائح يأتي إلى بلدنا للتمتع بسحر مناخها ومشاهدة روائع آثارها، فإن أحدًا لا يستطيع أن ينكر أن الإقامة ورؤية المناظر الجميلة لها دور كبير في جذب السياحة وكذلك نجاحها. ولكل هذا أولت الدولة الفنادق كل الاهتمام. إن من أهم الأقسام التي يتضمنها أي فندق الآن هو قسم الإشراف الداخلي. لذا جاء هذا الكتاب ليوفر للقارئ العربي والباحثين والعاملين في مجال الفنادق بصفة عامة وقسم الإشراف الداخلي بصفة خاصة، أساسيات الإشراف الداخلي في صناعة الفنادق بطريقة علمية مبسطة. تم تقسيم هذا الكتاب إلى أبواب وكل باب إلى فصول. ففي الباب الأول الذي اعتبرناه بمثابة مفاهيم للفنادق وأنواعها، تناولنا تعريف الفندق والخريطة التنظيمية للفنادق وتعريف الإشراف الداخلي، أما الفصل الثاني فقد تناولنا فيه التسلسل الوظيفي لقسم الإشراف الداخلي، وعرضنا التوصيف الوظيفي للعاملين، والفصل الثالث عرضنا فيه مظهر وسلوك العاملين بقسم الإشراف الداخلي وخطوات التعامل مع النزلاء ومزايا العاملين. أما الباب الثاني فقد قسمناه إلى فصول؛ ففي الفصل الأول تناولنا موضوع الصحة والأمان وحوادث النزلاء. أما الفصل الثاني فقد تناولنا موضوع الأقسام التي لها علاقة مباشرة مع قسم الإشراف الداخلي، والفصل الثالث عرضنا فيه تجهيزات الغرف. وأما الباب الثالث فقد قسمناه إلى ثلاث فصول، ففي الفصل الأول عرضنا أنواع الغرف، وفي الفصل الثاني قدمنا أدوات النظافة، أما الفصل الثالث فقد عرضنا فيه مواد وأعمال النظافة. وأخيرًا فقد قسمنا الباب الرابع إلى أربعة فصول؛ ففي الفصل الأول عرضنا التوصيف الوظيفي لقسم اللوندري (المغسلة)، وفي الفصل الثاني قدمنا تجهيزات قسم اللوندري، أما الفصل الثالث فقد عرضنا فيه قسم البياضات، واختتمنا بالفصل الرابع الذي عرضنا فيه الرقابة والموازنة في قسم الإشراف الداخلي

حواء والكتابة

الكتاب مرآة إذا نظر فيها القرد فلن يرى قديسا"
هكذا استهل جورج كريستوف لشتينبرغ حديثه حين سأل عن قيمة الكتاب،
لكن ماذا لو كان هذا الكتاب قد كتب بيد إمرأة؟؟
سيختلف الأمر حينها، وستنقلب نظرة المجتمع تماما، ولن يرى القرد لا انعكاس وجهه ولا صورة قديس ما، فقط سيصطدم بكل المحظورات التي تقيد المرأة في هذه المجتمعات المركبة. فالكتابة السردية النسائية في جل المجتمعات العربية هذا إن لم نقل كلها، تنظر دائما بنظرة متأهبة يسودها الشك، الريبة أحيانا، الحذر أحيانا أخرى، والرفض والتحقير أحيانا لما تكتبه النساء.
فلو اكتست المرأة بقليل من الجرأة حينها تفتح الأبواب الحمراء عليها، وتنصب جل الإنتقادات على المستوى الأخلاقي بوصف أن المرأة أم ومدرسة وكل تلك الطوبويات التي وإن رفعت من شأن دور المرأة في المجتمع إلا أنها جعلتها في نفس الوقت أحادية الدور الذي ينحصر في تربية الصغار والقيام بالواجبات، دونا عن كل تلك التجارب والأدوار الأخرى التي تعد من حق الرجل مطلقا.
إذ أنه من المتعارف عليه أن الكتابة فعل ذكوري بامتياز، وتعد الكتابة عند المرآة كمالية، يعتبرها العديدون لا ضروروة لها، أو يمكن الاستغناء عنها، بوصف أن أغلب الاعتقاد العام يتجه نحو التأكيد على أن كتابة المرأة تظل مرتبطة دائما بذاتها أحاسيسها، بوصفها تعتبر كائنا عاطفيا بإمتياز، وأن أغلب كتابات النساء الكاتبات تكون محاولة للتخلص من أعباء المجتمع وثقل وطأة التقاليد والعادات والأعراف أو إنعكاسا للعلاقة بالطرف الآخر مهما كان موقع المرأة في حياة ذلك الطرف، ابنة، أو زوجة أو أخت أو حبيبة أو عشيقة. 
بالإضافة إلى هذا الجانب الحسي، لا يمكن إنكار أنه في أغلب الكتابات النسائية نجد أن إنتاجات الكاتبات العربيات تتمحور بالأساس وغالبا حول ذاتية الكاتبة في حياتها العادية، وتكسي ما تكتبه في أغلب الأحيان بنظرة سوداوية وأحيانا سلبية، بوصف أن واقعها في مجتمع ذكوري، يفرض عليها أن تكون ضحية مضطهدة، أو مقاومة ثائرة، لكنها في الحالتين تنتهي بالتعبير عن استسلام للواقع يكون عبر نهاية مأساوية صادمة.
ففي الواقع كم الضغط والتعسف إن صح التعبير، المباشر وغير المباشر الذي تتعرض إليه المرأة في علاقتها بالبيت والعائلة والرجل والمجتمع والأخلاق وغيرها من الضوابط، يجعلها لا شعوريا تكتب كي تهرب من ذلك الواقع، وكي تكون الكتابة ممارسة وطريقة لحياة أخرى لا توجد إلا على الأوراق، من هنا يتحول دور الكتابة من أداة لإعادة تشكيل الواقع، إلى سلاح خفي في يد المرأة تشهره في وجه المجتمع الذي ما فتئ يصادر حقوقها في الوجود والتعبير بشتى الطرق.
لذلك تتحول المرأة إلى هدف لهجوم العديد من المحافظين، الذين ينتقدون ميلها إلى الى استخدام الجسد الأنثوي كموضوع مهيمن على كل إنتاجاتها الأدبية من شعر وقصة ورواية ونثر، ومن ذلك المنطلق يهاجمونها ككائن تفرض عليه طبيعته أن يلتزم بضعفه ورقته وأدواره المحددة الممنوحة من قبل الأديان والأعراف، فحواء تبقى حواء مهما علت، إذ يسبقها آدم في الوجود والتعايش مع العالم، وما وجدت هي إلا كي تكون تتمة له، وهذه التبعية المادية أفرزت تبعية معنوية التصقت بها لتشكل كتلة كبيرة من الحدود والعوائق في وجه أي إمرأة –مثقفة بالأساس-
فالكاتبة من وجهة نظر هؤلاء، تبقى إمرأة، والمرأة كائن ضعيف حسب تكوينها الفيزيائي، الذي يجعلها لا ترتقي لمرتبة قوة وقوة احتمال الرجل، وحتى ما تعانيه من آلام وإرهاق في وظائفها الطبيعية كالولادة لا يغفر لها فعل الكتابة إذ أن كل ذلك يعد من قبيل العقوبة لها على الغواية في بداية الخلق، ونظرية الغواية هذه تجعل من طهارة المرأة مهما كانت، مشكوكا في أمرها، والإدانة تسبق البراءة هنا في الحكم عليها.
وبوصفنا نتحدث عن المرأة الكاتبة هنا، يجب التأكيد على أن الأنر يصبح أصعب خاصة حين تتزوج المرآة حيث تخرج من السجن العائلي إلى السجن الزوجي الذي لن يرضيه أن تكون الزوجة أديبة وكاتبة ولها رؤية ونظرة مختلفة إلى العالم، ولن يطمأنه قطعا قدرتها على الانعتاق والتحرر وإعادة تشكيل الواقع حسب ما تراه هي لا ما يراه زوجها أو والدها، لذلك تتحول الكتابة فعلا خارقا للقانون، وتصبح المنظومة الزوجية هي الهيكل القضائي الذي يضمن الحفاظ على النظام وعدم التمرد على النواميس المعمول بها منذ قرون..
يقول منتسكيو، أن من يقرأ كثيرا تساوره الرغبة في أن يكتب"، والكتابة هي فعل تحرر وطريقة حياة، فلم تكون ممارسة هذه الشعائر الجميلة في التوحد مع الذات، ثم في إعادة خلق علاقة جديدة مع العالم، للبعض فرضا، وعلى غيرهم سنة؟
من المفروض أن الكتابة هي ممارسة ديمقراطية، لا تفرق بين جنس الكاتب أو لونه أو دينه أو معتقداته، الخط الأحمر الوحيد في الكتابة هو الرداءة، ذلك المفروض، أما ما نجده في الواقع فهو مختلف.
وفي الحقيقة، مع تطور الحركة النسائية في الفعل ورد الفعل والتمرد على التقاليد والعادات السائدة جعل العديدن ينظرون إلى كتباتهن محل نقد من جهة أخرى، ليس إلى دواتهن كنساء، بل إلى الموضوعات التي أصبحت مكررة، لكننا هنا نقف اما تعارض محير، إذ كيف يمكن لموضوعات الكاتبات أن تتغير إذا كان المجتمع لا يتغير؟
وكيف يريدون للمرأة أن تغير من نسق كتباتها المشبعة بالمطالبة بالحرية وإحترام الجسد الأنثوي، في حين أن العقلية الذكورية لم تتغير أصلا؟
إن المبدأ أن البحث عن الحرية هو أساس فعل الكتابة، لكن وجود الحرية هو وقود الإبداع، فلو كانت المرأة حرة فعلا، ولو توفرت لها كل الظروف التي تخول لها أن تكتب لأبدعت في خلق الجديد والطريف من الإنتاجات الأدبية التي تخلق لها بصمة قوية لا تنمحي في تاريخ الأدب، ولن تكون مجرد إنعكاس على ذاتية المرأة المقيدة أو المضطهدة، بل ستكون إنعكاسا لكل الإنسانية. 
على كل ولو أن الواقع المجتمعي يشبه سرطانا مستفحلا في الحياة الثقافية، إلا أن الكاتبات أو أغلبهن على الأاقل، أثبتن أنهن قد أعدن تجسيد أسطورة أطلس الذي حمل السماء على كتفيه من جديد، وكن أطلس في مواجهة كل تلك العوائق والظوابط والقيود التي سيجهن بها المجتمع، فكن بطلات العصر الجديد، مناضلات، مقاومات، والأهم خالقات.
الكتابة تبقى رغم كل هذه الأشواك التي يحف بها طريق المرأة الكاتبة طريقة وجود وطريقة حياة، وطريقة خلود، وربما يكون من الغباء أن يسعى الكاتب إلى الخلود في أرض تقترب من الزوال، لكن على الأقل، يبقى للكاتب إمتياز خلق اسم خالد في حياة فانية، ويقى للكاتبة شرف النضال من أجل أن تمارس حقها في الخلق وفي القتال من أجل وشم اسمها في تاريخ الأدب العربي، ولم لا الأدب العالمي.


مَخاطِــــــــــرٌ

 

رأيتُ طريقَ العشــقِ ينأى ويلتويْ

نياسمَ تستعصي على الماهرِ القويْ

 

تهَيّبَهُ الناجونَ خــــــوفَ كمائنٍ

تؤججُ جمراً خامِدَ النارِ منزويْ

 

نأى عنهُ من يرضى بخُفيّ حُنينهِ

وما سارَ فيهِِ غيرذيْ شَجَنٍٍ جويْ1

 

يحجُّ إلى غيبٍ على ظهرِ صاهلٍ

مـن الوجدِ لا يدري إلى أينَ ينتويْ

 

وليسَ لساع ٍ في الهوى غيرَ مهجةٍ

يُقلبها وسـْــــــــــطَ الحريقِ فتكتويْ

 

على غفلةٍ ترديــــــك أوهىِ سهامهِ

كما طللٍ هارٍ من العصفِ مُنهويْ 2

 

ولـــــــو أنني أُُمنى بــــهِ حينَ غَرّةٍ

أفرُّ فرارَ الطيرِ مـــــن شَبَكٍ لويْ 3

 

ألستَ ترى قلبــــــي يجانبُ نبضَهُ

أرهُ اجتوى مــــــا يعتريهِ فأجتوي 4

 

عذيري بأنـــــي نالني منهُ عارضٌ

فألفيتُ روحي لا مُريدٌ ولا هويْ5

 

ومن كانَ يسعى للهوى عرفَ النوى

و أصبحَ فــي بيتِ القصيدِ بلا رويْ6

 

ومن رامَ فوزاً في الهوى ضلَُّ سعيُهُ

كساعٍ إلى اليهماء يوماً ليرتوي

 

ألا أيها الماضي إلــــى البحرِ عاريًا

وزورقهُ قشٌّ ومجدافـــــــهُ خويْ7

 

سأمحضُكَ النُصـــــــــحَ الذي أنتَ أهلهًُ

لتجتنبَ الإبحارَ فيـــــــــهِ وترعوي

 

حذار فلا شطــــــــآن يُرجى بلوغُها

ولا ملجأٌ يسعى إليــــــه لينضوي

 

ولم أرَ للعُشّاقِ منجىً مـــن الأسى

ولم أرَ مثل الشوقِ أرعنَ فوضويْ

 

ولم أرَ فــــــــي فوجِ المحبين سالماً

ولكنْ أراهم بيـــــــــنَ فانٍ و مُدّويْ8

 

ومن يجتنب نصــــــحي أراهُ مُغامراً

وليس بذي عقلٍ رجيــــحٍ ولا سويْ

 

ولكنه ذو علةٍ عـــــــــــــــزّ بُرؤها

تلبسهُ الشيطان ُ فهــــــــــوَ به غويّْ

 

وليسَ الـــــذي يأسى كمن كانَ سالياً

أخالُ بأن الأمـــــــــرَ ليسَ بمستويْ

 

 

مركز النور

 

رأيتُ طريقَ العشــقِ ينأى ويلتويْ

نياسمَ تستعصي على الماهرِ القويْ

 

تهَيّبَهُ الناجونَ خــــــوفَ كمائنٍ

تؤججُ جمراً خامِدَ النارِ منزويْ

 

نأى عنهُ من يرضى بخُفيّ حُنينهِ

وما سارَ فيهِِ غيرذيْ شَجَنٍٍ جويْ1

 

يحجُّ إلى غيبٍ على ظهرِ صاهلٍ

مـن الوجدِ لا يدري إلى أينَ ينتويْ

 

وليسَ لساع ٍ في الهوى غيرَ مهجةٍ

يُقلبها وسـْــــــــــطَ الحريقِ فتكتويْ

 

على غفلةٍ ترديــــــك أوهىِ سهامهِ

كما طللٍ هارٍ من العصفِ مُنهويْ 2

 

ولـــــــو أنني أُُمنى بــــهِ حينَ غَرّةٍ

أفرُّ فرارَ الطيرِ مـــــن شَبَكٍ لويْ 3

 

ألستَ ترى قلبــــــي يجانبُ نبضَهُ

أرهُ اجتوى مــــــا يعتريهِ فأجتوي 4

 

عذيري بأنـــــي نالني منهُ عارضٌ

فألفيتُ روحي لا مُريدٌ ولا هويْ5

 

ومن كانَ يسعى للهوى عرفَ النوى

و أصبحَ فــي بيتِ القصيدِ بلا رويْ6

 

ومن رامَ فوزاً في الهوى ضلَُّ سعيُهُ

كساعٍ إلى اليهماء يوماً ليرتوي

 

ألا أيها الماضي إلــــى البحرِ عاريًا

وزورقهُ قشٌّ ومجدافـــــــهُ خويْ7

 

سأمحضُكَ النُصـــــــــحَ الذي أنتَ أهلهًُ

لتجتنبَ الإبحارَ فيـــــــــهِ وترعوي

 

حذار فلا شطــــــــآن يُرجى بلوغُها

ولا ملجأٌ يسعى إليــــــه لينضوي

 

ولم أرَ للعُشّاقِ منجىً مـــن الأسى

ولم أرَ مثل الشوقِ أرعنَ فوضويْ

 

ولم أرَ فــــــــي فوجِ المحبين سالماً

ولكنْ أراهم بيـــــــــنَ فانٍ و مُدّويْ8

 

ومن يجتنب نصــــــحي أراهُ مُغامراً

وليس بذي عقلٍ رجيــــحٍ ولا سويْ

 

ولكنه ذو علةٍ عـــــــــــــــزّ بُرؤها

تلبسهُ الشيطان ُ فهــــــــــوَ به غويّْ

 

وليسَ الـــــذي يأسى كمن كانَ سالياً

أخالُ بأن الأمـــــــــرَ ليسَ بمستويْ

إلى أبي صُهيب ....عاشقاً  

 

 

رأيتُ طريقَ العشــقِ ينأى ويلتويْ

نياسمَ تستعصي على الماهرِ القويْ

 

تهَيّبَهُ الناجونَ خــــــوفَ كمائنٍ

تؤججُ جمراً خامِدَ النارِ منزويْ

 

نأى عنهُ من يرضى بخُفيّ حُنينهِ

وما سارَ فيهِِ غيرذيْ شَجَنٍٍ جويْ1

 

يحجُّ إلى غيبٍ على ظهرِ صاهلٍ

مـن الوجدِ لا يدري إلى أينَ ينتويْ

 

وليسَ لساع ٍ في الهوى غيرَ مهجةٍ

يُقلبها وسـْــــــــــطَ الحريقِ فتكتويْ

 

على غفلةٍ ترديــــــك أوهىِ سهامهِ

كما طللٍ هارٍ من العصفِ مُنهويْ 2

 

ولـــــــو أنني أُُمنى بــــهِ حينَ غَرّةٍ

أفرُّ فرارَ الطيرِ مـــــن شَبَكٍ لويْ 3

 

ألستَ ترى قلبــــــي يجانبُ نبضَهُ

أرهُ اجتوى مــــــا يعتريهِ فأجتوي 4

 

عذيري بأنـــــي نالني منهُ عارضٌ

فألفيتُ روحي لا مُريدٌ ولا هويْ5

 

ومن كانَ يسعى للهوى عرفَ النوى

و أصبحَ فــي بيتِ القصيدِ بلا رويْ6

 

ومن رامَ فوزاً في الهوى ضلَُّ سعيُهُ

كساعٍ إلى اليهماء يوماً ليرتوي

 

ألا أيها الماضي إلــــى البحرِ عاريًا

وزورقهُ قشٌّ ومجدافـــــــهُ خويْ7

 

سأمحضُكَ النُصـــــــــحَ الذي أنتَ أهلهًُ

لتجتنبَ الإبحارَ فيـــــــــهِ وترعوي

 

حذار فلا شطــــــــآن يُرجى بلوغُها

ولا ملجأٌ يسعى إليــــــه لينضوي

 

ولم أرَ للعُشّاقِ منجىً مـــن الأسى

ولم أرَ مثل الشوقِ أرعنَ فوضويْ

 

ولم أرَ فــــــــي فوجِ المحبين سالماً

ولكنْ أراهم بيـــــــــنَ فانٍ و مُدّويْ8

 

ومن يجتنب نصــــــحي أراهُ مُغامراً

وليس بذي عقلٍ رجيــــحٍ ولا سويْ

 

ولكنه ذو علةٍ عـــــــــــــــزّ بُرؤها

تلبسهُ الشيطان ُ فهــــــــــوَ به غويّْ

 

وليسَ الـــــذي يأسى كمن كانَ سالياً

أخالُ بأن الأمـــــــــرَ ليسَ بمستويْ

- See more at: http://www.alnoor.se/article.asp?id=236668#sthash.lCTaw1NE.dpuf

إلى أبي صُهيب ....عاشقاً  

 

 

رأيتُ طريقَ العشــقِ ينأى ويلتويْ

نياسمَ تستعصي على الماهرِ القويْ

 

تهَيّبَهُ الناجونَ خــــــوفَ كمائنٍ

تؤججُ جمراً خامِدَ النارِ منزويْ

 

نأى عنهُ من يرضى بخُفيّ حُنينهِ

وما سارَ فيهِِ غيرذيْ شَجَنٍٍ جويْ1

 

يحجُّ إلى غيبٍ على ظهرِ صاهلٍ

مـن الوجدِ لا يدري إلى أينَ ينتويْ

 

وليسَ لساع ٍ في الهوى غيرَ مهجةٍ

يُقلبها وسـْــــــــــطَ الحريقِ فتكتويْ

 

على غفلةٍ ترديــــــك أوهىِ سهامهِ

كما طللٍ هارٍ من العصفِ مُنهويْ 2

 

ولـــــــو أنني أُُمنى بــــهِ حينَ غَرّةٍ

أفرُّ فرارَ الطيرِ مـــــن شَبَكٍ لويْ 3

 

ألستَ ترى قلبــــــي يجانبُ نبضَهُ

أرهُ اجتوى مــــــا يعتريهِ فأجتوي 4

 

عذيري بأنـــــي نالني منهُ عارضٌ

فألفيتُ روحي لا مُريدٌ ولا هويْ5

 

ومن كانَ يسعى للهوى عرفَ النوى

و أصبحَ فــي بيتِ القصيدِ بلا رويْ6

 

ومن رامَ فوزاً في الهوى ضلَُّ سعيُهُ

كساعٍ إلى اليهماء يوماً ليرتوي

 

ألا أيها الماضي إلــــى البحرِ عاريًا

وزورقهُ قشٌّ ومجدافـــــــهُ خويْ7

 

سأمحضُكَ النُصـــــــــحَ الذي أنتَ أهلهًُ

لتجتنبَ الإبحارَ فيـــــــــهِ وترعوي

 

حذار فلا شطــــــــآن يُرجى بلوغُها

ولا ملجأٌ يسعى إليــــــه لينضوي

 

ولم أرَ للعُشّاقِ منجىً مـــن الأسى

ولم أرَ مثل الشوقِ أرعنَ فوضويْ

 

ولم أرَ فــــــــي فوجِ المحبين سالماً

ولكنْ أراهم بيـــــــــنَ فانٍ و مُدّويْ8

 

ومن يجتنب نصــــــحي أراهُ مُغامراً

وليس بذي عقلٍ رجيــــحٍ ولا سويْ

 

ولكنه ذو علةٍ عـــــــــــــــزّ بُرؤها

تلبسهُ الشيطان ُ فهــــــــــوَ به غويّْ

 

وليسَ الـــــذي يأسى كمن كانَ سالياً

أخالُ بأن الأمـــــــــرَ ليسَ بمستويْ

- See more at: http://www.alnoor.se/article.asp?id=236668#sthash.lCTaw1NE.dpuf


عشق المتسولين..

 

 

 لم يعرف سوى أبواق السيارات وضجيج الشارع من الباعة المتجولين والمارة الذين يتجولون في المحال التجارية لشراء حاجياتهم ، كان الرصيف الإسفلتي مكانا ً له عند الاستراحة ، تلهبه حرارته ، هذا حاله منذ ولادته ، أثارت انتباهه متسولة ، لها صوت ناعم واضعة ً قطعة قماش سوداء على وجهها ، كانت قريبه منه جالسة ً على الرصيف تنظر أليه ، لم يعد يحتمل ، لا بد أن أحدثها قالها بإصرار واضح 0

متسائلا ً ــ أليس من حقنا نحن المتسولين أن نحب ، نعشق ؟ أم ممنوع علينا لأننا ولدنا هكذا مع الحزن لا مكان للفرح بيننا ؟ !

في البدء كانت تضجرُ منه ، لا تطيقه ، كان يتوقف كل خطوتين ، يسير أمامها وخلفها كأنه حارس عليها ، عندما يحس بالوجع يدب الى ظهره يجلس ..هكذا كان ينهي يومه ، عندما تغيب الشمس ويأتي المساء يكون قد ودعها الى يوم آخر في وداعه حسرة وأنين وحتى بكاء ، كان يأتي من الصباح الباكر ينتظرها على أحر من الجمر ، وإذا تأخرت يجن جنونه ، ذات يوم أراد اختبارها  وقف بعيدا ً يتأملها ،  عند وصولها المكان لم تشاهده ، جن جنونها لأنها اعتادت أن تراه كل يوم يأتي قبلها ، كانت تروح وتجيء تنظر شمالا ًوجنوبا ًكأنها فقدت شيئا ً ثمينا ً ، تقدم نحوها وإذا بها تقول: ــ تأخرت اليوم كثيرا ً؟

ــ وهل يعنيك ذلك ؟

ـــ نعم فأنك000!

ـــ أكملي حديثك 0

ـــ لله يا محسنين ، صدقه قليلة تدفع بلاءً كثيرا ً

ابتعدت ، ودارت ظهرها وسكتت عن الكلام ، كانت تهمهم ، تندب حظها العاثر مع عشيقها الذي سلب نقودها ورماها في الشارع ، متسول هو الآخر ، يسكن في احد البيوت القريبة من بيتها 0

صرخت بصوت عال ٍ ، لا أثق بك كلكم متشابهون  كل الرجال متشابهون ، يسلبون كل شيء جميل وإذا مرضت يزجرونني وكأنني مصابه أنقل أليهم المرض 0

الرياح الساخنة تؤلمها ، سكبت على عباءتها بعضاً من الماء ، أحست بالذبول يزحف نحوها فيغزو جسدها 0

متساءلة ً : هل يعيد لها شبابها ، حيويتها ؟ !

قــال لها :ـــ ما العمر إلا أوراق تتطاير ، تبعثرها الرياح ، لترحل الكلمات التي دونت عليها ، ولا يبقى سوى بقايا أماني وأحلام وعين لا تنام 0

هذا هو الحب بعينه ، سنرحل عن الأيام الحزينة والليالي المريرة ، قــالها وأعتبرها مزحة 0

تذكرت الماضي وقــالت :ــ مرت أيام صعبه جدا ً ، كنت بحاجة الى النقود ، أكلمهم ، أستعطفهم ، فيشيحون عني وجوههم ، أكاد أقبل أقدامهم لأحصل على النقود لاشتري الطعام الى أهلي ، وعندما يرفضون أمضي الى اقرب مزبلة عسى أن أجد ما يسد فيها رمقي وصراخ معدتي ، ما أقسى أصحاب المطاعم دائما ًيركلونني فأهرب بعيداً عنهم ، هكذا عشت طفولتي ، ملابس رثة تنبعث منها رائحة كريهة ، وأنا أنهش برأسي شيئا ًما يدب فيه ، أنا لا ألوم أحدا ً عندما يطردوني هم محقون .. أما الآن عرفت كيف أمتهن التسول فأكسب منه مالا ً كثيرا ً ، أستحم وأغسل ملابسي0

 أكملت حديثها :ـــ العيش وحيدا ًمصدر تدمير الإنسان ، أبحث عن نصفك الآخر بعيدا ً عني 0

ـــ لا تكوني كالبعوضة التي تعض مضيفها 0

نهضت مسرعة مبتعدة عنه ، لفه الحزن ، ودب أليه اليأس.. بعصبية فائقة ظل يتمتم بكلام غير مسموع أراد أن يعبر الشارع إلى الجهة المقابلة غير عابئ بالسيارات المارقة المتهورة صدمته سيارة توفي على الفور ، قام السائق بنقله على مسامع الناس الذين تجمهروا0

 قـــائلا ً: ــ أنه مجرد متسول 0

نظرت إليه وكان مخضبا ً بالدم تلوم نفسها قائلة ً في سرها :ــ لماذا تصرفت معه هكذا ؟ تهذي وتلعن حظها العاثر ، أصابها مس من الجنون ، كل يوم تجمع النقود وفي المساء تقوم بتمزيقها ، مرت أيامٌ وليالٍ وهي على هذا الحال تنام على الرصيف الذي كانا يجلسان عليه ، ذات يوم تراءى لها في الجانب الآخر من الشارع يناديها ، نهضت مسرعة والابتسامة على وجهها تلبي طلبه لطمتها سيارة تناثر دمها امتلأت السماء بطيور بيضاء ترفرف فوق المكان معلنة ً زفافهما  

مركز النور



قراءة في ماورائيات اللون في ديوان الشاعرة ضحى بوترعة (صفقة مع الريح)

اعتصرت الرؤية الاجهاضية التي تبنتها الشاعرة ضحى من خلال تماسها المباشر مع الواقع البراني الذي تمثل في هزات وعواصف ضربت شواطئ وطنها، فكانت الصبغة الانتمائية طاغية على نصوصها، وكان النفور من ما آلت اليه الاوضاع بمثابة جرح مزمن اصيب به روح الشاعرة، لاسيما انها عاشت مخاض التغيير والثورة التي ارادها الجميع نقطة انطلاق نحو افاق ابعد مما كانت عليه، وكأن الثورة القت بظلالها ومآسيها على روح الشاعرة فجرفتها الى مخاضاتها الموجعة،  وقد ظهرت تلك المخاضات من البدء حيث العنوان " صفقة مع الريح" وكأن مديات الواقع وتمفصلاته قد اوقعت شاعرتنا في حالة من الشك بما ستؤول اليه الاوضاع في وطنها بعدما تلاشى الامان وانتشر الموت المجاني في الشوارع، وتداخلت مضامين الساسة وطموحاتهم مع الحياة الاجتماعية البسيطة التي ارادها الناس بعد ثورتهم فاصبح لسان الحال يقول لقد عقدنا صفقة الحرية مع الريح، لذا نلامس هذا التفاعل الحي والوجداني والعقلي بين الذات الشاعرة وبين الاحداث البرانية، والتي تجلت في صور شعرية ماتعة ورؤى بلاغية ابدعت شاعرتنا في رسمها بالكلمات، ومع تلك المخاضات المتنوعة ظهر اللون كركيزة في الديوان بحيث وجدنا بانه قلما كتبت الشاعرة نصاً في ديوانها دون التطرق الى ماهية لون ما، او حتى الايحاء باللونية سواء كمدلول ايحائي او قصدي، ومن خلال هذه الدراسة النقدية سنحاول التوقف على مصاف اللونية في قصائد شاعرتنا:

لقدارتكز المعجم اللوني  في ديوان صفقة مع الريح على التعددية اللونية التي يمكن رصد بعض ملامحها ضمن اطارين الاول يعتمد على القصدية كالسواد حيث ورد مرتين، والبياض اربع مرات، كما ورد كل من الاحمر والوردي والاخضر مرة واحدة، وورد النرجسي والفضي مرتين، والثاني الايحائية لاسيما في توظيف لفظة لون التي وردت في  عشر تشكيلات دلالية، بصيغ مختلفة مفردة وجامعة ومقترنة بلونية محددة كالبني والرمادي وبصيغ تشبيهية ايضاً، كما ان لفظة الحبر وردت بشكل واضح في نصوص ضحى وهي اشارة استدلالية يمكن التكهن باحتمالية لونية في بعض مضامينه اذا ما اسقطنا اللفظة على ماهية الكتابة التي وردت بها في اغلب الاحيان الا اننا سنكتفي بذكرها هنا دون البحث في ماوراء استخدامتها، واجمالا اتت اللونية  بدلالات قصدية وايحائية ضمن منظومة مركزة اعتمدت عليها الشاعرة لاغراض شعرية وتشكيلية مختلفة، حيث  يذهب د. دريد يحيى الخواجة الى "ان اللون في القصيدة لاياتي محايداً بل يكون نتيجة احساس في سياق النص، ودلالة ما لها تأثيرها العمق في حملة تجليات النص الخفية، كما انه يعتبر علامة في سياق التعبير الشعري نستكشف دوره في وحدة النص المركزية، وفي تفريعاته التي يردها الى بنية ارتباطاتها في تشكيل النص"،  وهذا ما نلمسه في توظيفات شاعرتنا للالوان بصورة عامة، فضلاً عن ذلك فانالالوان اتت كحراك موازي للذات الشاعرة ورؤاها التي تناسلت ونمت من واقعها سواء على المستوى الانتمائي ام الذاتي الشخصي، وفي كلا المستويين نلامس حراكاً موازيا لاستخدامات اللون بحيث تحقق رؤيتها دون ان تخرج النص من سياقه ونسقه الشعري الحداثي، وهذا ما يجعلنا نعي بان توظيف اللون في مثل هذه السياقات تعني على الارجح رسم صورة نصية مؤثرة. مثلما فعلت في اغلب نصوصها:

يتعبني البياض...تتعبني قبلة عاشق

 واغنية اخر الليل

فهذهالصورة المتجلية التي تعاكس المضمون الظاهري للرؤيا البصرية، باعتبار ان البياض دائما له تأثيره الايجابي والموحي بالسلام والامان، او حتى في الاستسلام، فانه هنا يؤدي دوره التضادي وببصيرة ووعي تام بموجبات المغايرة، لاسيما ان شاعرتنا تعمدت على ان يسبق الفعل المؤثر " يتعبني"  على البياض مما يوحي بعمق الهوة التي تعيشها الذات الشاعرة بحيث اصبح البياض كلون مؤثر بايجابية على الروح والنفس هنا لونا يشير على تعاسة الواقع البراني وصعوبته واحالة البياض الى لون منهك ومتعب على المستوى الدلالي الانتمائي والوجداني معاً وهذا ما يتضح لنا بصورة واضحة من خلال الحراك اللوني ذا التشعب التوظيفي والتشكيلي معاً، فالواقع المغاير الذي حول البياض الى ارهاق وتعب هو نفسه الذي يجعل من الذات تعيش الغربة والوحدة في حالتها الوجدانية، وهذا ما تؤكده الشاعرة في موضع اخر من ديوانها، حيث تبقي البياض ضمن دائرة التعب، والوحشة، والفتنة:

من متعب الى عاشق

يتقاذفه الاشتياق

وماء القلب المخضب بالوحشة والبياض

وهذيان الهواء و الفتنة

هذهالتوهيمات البلاغية الدلالية التصويرية الفائقة تجعلنا نعيش واقع البياض الذي تصوره لنا الشاعرة بدقة وحرفية، على اننا نلامس في الصورة الثانية اكثر توحشاً واكثر جدلية في الاخذ بالبياض كلون محرك لتلك الرؤى التي تنادي وتؤمن بها شاعرتنا، فالوجدانية ان سبقت هنا اللونية الا انها كانت المدخل لتعطينا الصورة الاكثر تماساً مع الواقع التي تعيشه، حيث الفتنة التي الحقت الدمار بكل ما هو جميل من حولها جعلتها تضع البياض في خانة الالوان التي لم تعد تؤدي دورها في حياتها ورؤيتها، على الرغم من كونها حاولت ان تفتح للبياض فسحة وممراً للعودة في نص اخر، الا انها فسحة احتمالية تنتظر جيلاً اخراً يأتي ليدفن مخاضات البياض الذي لبس رداء الفتنة، فيعيش بروح الطفولة معبراً عن كينونته:

طفلة تلون الغابة ببياض اللهو

تختصر فيها صوفية العشق

وعلىهذا الاساس تنتظر الشاعرة ا ن ياتي جيل اخر " طفلة" لتلون الغابة ، الواقع المتحول الى خراب فتعيد بلهوها البريء العشق المفقود بروحية التصوف، أي الوحدة والاتحاد من جديد، وهذه الصورة بحد ذاتها تعطينا يقيناً بان الشاعرة لم تقع في اليأس المطلق انما لم تزل تعيش وقع امل ربما ليس بقريب ولكنه ليس بمستحيل، ولا يهم ان كان حلماً في الاساس لانه سيحمل في الاول والاخير لوناً ما يغير معالم الموجود، ولهذا نجدنا في نصوص كثيرة نعيش وقع اللونية بصورة مغايرة تماماً بحيث لاتعطينا الشاعرة لوناً  معرفياً محدداً الا من خلال السياق العام للفظة اللون نفسه، ولكنها في الاغلب مرهونة بحلم آت واخر مدفون او على وشك الدفن:

يمضي حلم

والجسد يزداد سوء في لون الغيوم

حلم يجيء يراق في دمه طفلة...

الحلميةهنا ليست توليفة وهمية، انما هي ارتباطية حسية ادراكية لمحركات الواقع والاحساس الداخلي للذات الشاعرة، فالحلم ان ظل في مساره سائراً، فانه قد يكون بلون ماء، وليس مستحيلاً ان يلبس لون الغيوم، وهذه الغيوم هي المحرك والفيصل في تحديد سياق اللون نفسه، لكون الغيوم عادة ماتكون سوداء، وفي سوداها احتمالية اخرى تفوق اللون نفسه باعتبارها تكون بردائها هذا ماطرة، ولهذا نجد الحلم يلبس الجسد والجسد يلبس لون الغيوم فتحرك مساحة الحلم لتراق في النهاية " طفلة" هذه المعادلة الصعبة في كل مستواياتها تتخذ من معبر لفظة اللون احتمالية مغايرة عن تلازمية اللون الاسود للغيوم، حتى ان الشاعرة نفسها تأتينا بصورة اخرى تعقب الامطار فتجعله مدخل للتمازج بين ماهية الامطار وماهية اللون البني" الترابي" هنا:

تتناوب عليه الامطار

ويغيب اللون البني وصغار الجن....

التعاقبالذي اولدته الشاعرة هنا، الامطار، اللون البني، صغار الجن، هو في تشكيله الظاهر يوحي بصورة مختصرة لوجودية الكائن الانساني، فاذا ماء جعلنا الصورة الرامزة هنا تحكي بمنطق ووعي سنجد بان الماء والتراب والحياة كعناصر اساسية للتكوين تراكمت معا لاينقصها الا النار ليصبح المشهد متكاملا لاسيما وانه مرهون بجذع النخلة  في قصيدة " مريم"   أي في الصورة الاساسية التي تأسست منها اشكالية التناوب، لهذا السبب ان الصورة التي تثبت اللونية هنا بتلازمية البني هو الاصل الترابي الذي توشك الشاعرة ان تعطيه شكل مغاير لكونه اصبح مرهوناً بمترتبات لاثبات لها على الرغم من تاريخيتها وعمقها في الوجود...

منذ خطيئة في باطن حدقتي

وانا الهو بلون يثير شهيتي للغناء

حيننحدد جغرافية الوجود نعيدها في بعض الميثولوجيات الى الخطيئة، لكن هنا حتى لايكون الالتباس ممكنا نستقطع اداة التعريف عنها" خطيئة" لنوظفها ضمن اطارها الجغرافي المحدود جداً ف " حدقتي" لاتعطي احتمالات كثيرة خارجة عن نطاق الذات الشاعرة، لاسيما انها تلحقها ب" انا" حيث لامجال للتفكير خارج هذا الاطار المحدد، لكن هذا في الوقت نفسه لايعطي انطباعاً بامكانية التأويل الواحد لماهية " خطيئة" بل تعطينا مساحات تخيل غير محددة يمكن ان تتضمن خطيئة وجدانية او خطيئة انتمائية بالاخص ان الثانية هنا توشك ان تغطي اغلب المسامات الوجدانية والفكرية داخل الديوان فالانتماء له الاولوية في توظيفات شاعرتنا حتى وان كانت قد اتسمت بالكثير من الالم، ولعلي اغاير الصورة الظاهرة لشهية الغناء هنا باعتباره غناء من الصدمة الممهدة لتأويلات عميقة مرتبطة بصميم الحراك الشعري والشعوري:

الليل يرغمنا على التأويل

والالوان تتسع في القصيد وحلم الفقراء

هذامانسميه قيمة الصورة الرامزة النابعة من الاحتمالية اللونية التي توظفها الشاعرة في ديوانها المبني اصلا على اساس توهيمي بلاغي تشكيلي، او بالاحرى امكانية طرح الافتراضية التي تحيل سيمائية اللون الى رمز له فاعليته الخاصة في بنية القصيدة ومسارها البلاغي التشكيلي، فبمجرد تأمل المشهد الليل المقترن بالتأويل ندرك وقتها ان الحالة تتخذ مساراً مغايراً ، لهذا تاتي لفظة" الالوان" هنا بدون قصدية تحديدية انما شمولية ايحائية تخترق بنية القصيدة ولاتقف عند حدودها الظاهرية بل تتعداها الى حلم الفقراء باعتبارهم هنا هم اساس الفعل الحدثي المقترن بتأويلية الليل، والمحرك للذات الشاعرة لرصد الحراك البراني المتيقن بما تؤول اليه الحالة نفسها طالما انها اقترنت بحلم الفقراء، وهذا بالتالي ما يحرك فيها دمها بدهشة من لم تتوقع ان تصبح الامور بهذا الشاكلة المغايرة للتصور...

يفيض دمي الملون بالدهشة

افتح للماء الناعم ذاكرة اخرى

عاملالدهشة هو المحرك الفعال في صيرورة " يفيض" لكون مترتبات السابق تعطي مساحات ممتلئة يمكن من خلالها ادارك ماهية " تفيض" بل احيانا توجبها لكمها الهائل، لكن ما يخلق الدهشة هو كون الدم اقترن هنا بلونية مستحدثة في تعبير عن كون ما يجري لاينتمي اليه، وهذا ما احال الذات الشاعرة الى توظيف الدهشة كمقترن استدلالي للونية الدم نفسه، فضلاً عن استحداث قرين اخر ينتمي الى الدم في تكوينه "الماء" وبنعت يبعث هو الاخر الى الدهشة " الناعم" باعتبار ان الماء لاينعت كما انه لاينتمي الى لونية اثباتية، لكن تلكالتوظيفات اجمالاً اتت لتؤثث لعوالم ارداتنا الشاعرة ان نقيسها وفق معايير البراني المستحدث اصلا في فعله المؤثر بحيث يصبح الواقع غير الذي تم انتظاره، ولذلك تنشط الذاكرة فتصطدم بالموجود، مما يحيلها الى اللجوء بخلق ذاكرة اخرى غير التي امتئلت بتلك الصور، ولاج لان تفعل ذلك عليها ان تستند الى العاطفة هنا لايجاد معبر آمن لرؤاها وروحها ....

جربت ان ارتدي لون يديك

واتقاسم معك الخطوات حين تبتعد عنا الارض

هذهالتوهيمة الصوفية هي قمة التأثر بالواقع البراني وقمة التأثر بمترتبات الحدث العام الذي اعطت صورة مغايرة تماما لما كانت الذات الشاعرة تنتظره،  فاضطرت الى خلق ذاكرة تعيد بعض الصور المعلقة في اللاوعي والتي اصلا كانتتنتظر استفاقة من الوعي لتكون جاهزة في اداء دورها الوجداني الانتمائي معاً، وهذه الصور وان اتت مغايرة للنسق العام للحراك التوظيفي اللوني السابق الا انها استكمال طبيعي للصيرورة الذاكراتية لدى الذات الشاعرة، وهي لاتتوقف بمجرد وصف الحالة المتاحة والفعالة آنياً انما هي استمرار لفعل كائن مؤثر على روحية الشاعرة وتنتظر من الواقع صورة تبعدها عن مترتبات الصفقة التي لم تكسب الروح الامان..

يسقط غصنك المنحني فوق غيم خفيف

يطفو من مخيلة ليلتك لون الروح الرمادي

فعلالاسقاط ليس بتعبير مجاني عبثي استخدمته الشاعرة لرسم ملامح شيء محدد، انما هي استعارة تبعث الدهشة المستكملة للدم الملون بالدهشة، فارتابط"يسقط" ب" غيم" ومن ثم ب " لون الروح الرمادي" تجعلنا نعيش وقع الرؤيةبتجليات متباينة في احداثياتها التشكيلية واستنباطاتها التأويلية باعتبارها تثير تعددية تأويلية واضحة من حيث التناغم البنيوي للغة والرؤية معاً، وهي في الاصل اتت مكملة لاسقاطات لونية اخرى سابقة ولاحقة وظفتها الشاعرة لايصال الصورة بتقنية الدهشة التي اعتمدتها في جذب مكونات الصورة نفسها، على اعتبار ان رمادية الروح هنا ليست بامر طارئ انما هي امتداد للحراك السلبي البراني الذي اثر في كينونة الروح واخرجتها حتىذاكرتها الاخرى التي استعانت بها، ولهذا نجد بان الشاعرة تعيد رسم الصورة باللون الرمادي لكن هذه المرة تعيره للدم  " لم اكن قريبة مني لكن خفقة الدم خلف اللون الرمادي ،، تزيح الحلم في منتصف النعاس .."  وبتضاد مع الروح الصوفية التي حاولت قبل الان ان تلجأ اليها باعبتار ان الذاكرة الاخرى ايضا لم تستطع ان تستوعب مرتبات الواقع البراني فادخلت الروح في معترك الانفصام مع كينونتها ودمها واحلامها، وفي محاولة جادة من الذات الشاعرة ان تستوعب الموقف الاجمالي حاولت ان تستعين بصورة رامزة مؤثرة في بنية القصيدة ومعبرة عن الانتمائية المغايرة للصورة الظاهرة " الكف المرفوع كلون الشمس ..." هذا الكف يمكن تخيله يراود مقبض الباب بصورة مغايرة بعيدا عن التجسد السطحي، حيث يمكن ان تحيلنا الى ذلك الكف التي تريد تغيير الواقع دون ان تلجأ مضطرة الى مغادرة جغرافيتها، وهي بذلك تؤثث لون الشمس كمدخل استعلائي لتلك الكف المطالبة بحق وجودها وحق الابقاء على محصلات الفكر القائم من اجل تغيير الواقع وليس من اجل صور وهمية تحاول طفلة ما ان تغير ملامحها بلهوها البريء وهي في الاصل تلهو في الغابة، وهذا ما جعلت الشاعرة تدخل معترك التساؤلات لتخرج من تجويفاتها الحلمية المنغلقة على اثارة اللونية كمنطلق اساس للتصوير والسؤال وفجر اخر..

من وضح الحلم اكتبه واراهن الحياة بصورة وسؤال

ثم ادخل الصحو بالوان تستكمل بهاء الفجر

يقدملنا هذه الصورة في سيمائية اللون شيئاً مختلفا من حيث الاسيقة الشعرية السابقة باعتباره هنا يمنطق تلك المسارات من اجل استحداث نمط وجودي اخر، لهذا نلامس فيه اختلاق صحوة فعلية في التشكيلات البلاغية  للفظة " اللون" التي اعتمدتها الشاعرة بحيث اصبحت هنا اكثر نضجا من حيث الفكرة التي اراهاتتكئ على ما تثار من احتمالات المعنى وتنسج علاقات منتظرة، في كينوتها وهذا ما يمكن ملامسته من تغير البنية اللغوية في توضيحاتها الدلالية الموظفة ضمن الاطار الحلمي، فمن احلام مسكونة بتعبية الواقع نجدها تنطلق من الحلم نفسه لايصال رؤاها المتقدة والتي تبدأ بالكتابة كايحاء بالبدء او بداية جديدة، ومراهنة الحياة من حلال معتركه الاكثر ايحاءً التصوير والتساؤال وكل هذا من اجل اثبات الرؤية التي تستحق المحاولة بنظر الشاعرة والتي من خلال تدخل الصحو بالوان اخرى غير التي سبقت وان اجهضت امانيها بواقع مغاير وجديد لاسيما بعد الصفقة الاكبر في تاريخها، صحو فيه فجر مكتمل،، وعلى الرغم من ان الشاعرة نفسها تعي صعوبة الامر الا انها اغتنمت تلك الصحوة في ذاتها لتعبر عنها بشفافية لونية واضحة وذلك لكون ان قلبها لم يزل محملاً بالكثير من الاماني..

وكان قلبي يحمل خضرة قميصي وحرية العبارة..

تلكهي النقطة التي تنطلق منها عبارتها المحملة بالكثير من الاماني  علها ترسو على شواطئ الحرية المنشودة والتي من اجلها كانت الصفقة الاهم في تاريخ وجودها، ولذلك نجدها تغاير النسق العام لاستخداماتها اللونية فتأتي هنا ب" خضرة" كمدلول واضح لاهمية الترابط الزمكاني في نصوصها الناقلة لواقعالانتمائي من جهة، ولتصوراتها لذلك الواقع بعد التغيير من جهة اخرى، والاعتمالات التي تريد ان تؤثث عوالمها القصية كمدخل مغاير لما كان ولما هو الان، فلتجأ الشاعرة من اجل تفعيل تلك الرؤى الى محددات لونية واضحة ومسميات اقترانية تفيض الاحتمالية مثلما نجدها في هذه الايقونة" هنا نرجسة تحت سماء تحوم في فضاء لايرى" و في " تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة.." وفي " نشتهي الفاكهة في الجمر .. نعبر النرجس الشبقي.."، نجد في هذه الالتقاطات سواء من حيث تكرار اللون او تلازميتها لمقترنات ذات دلالات انتمائية واخرى وجدانية صوفية، علاقة متينة بالصياغة التي قد لاتلتزم بالتوجه الى توظيف الدلالات اللونية مباشرة بل تعمل على صياغتها وفق معطيات متداخلة يحفز وتنشط الكشف والتحليل، وبلاشك يعد هذا من احدى مرتكزات النص الشعري الحداثي الذي يحتفي بالمغايرة في اسستثمار اللونية وجمالياتها في تشكيل النص وفي  مكوناته، فلكل من " الفضة" و"نرجسة" سياقاتها المحددة ضمن اجمالي النسق الشعري النصيي الحداثي هنا، مما يحيلنا بالتالي الى استقدامات تلازمية اخرى يمكن من خلالها صياغة الرؤيا الاجمالية لهذه الالتقاطات اللونية ذمن مسمياتها وجغرافيتها، وعلى هذا الاساس يلزمنا تتبع خطاها لمعرفة منطقها المخصوص لاسيما انها تكررت في مواضع اخرى بدلالات وصور يستنبط منها توحشاً كما في" وهم يقتسمون حلمك..يفتحون قميصك الفضي للريح..." فهذه الصورة المتوحشة والتي تنقل بجدلية واضحة الواقع العياني الذي بات يعيشه الانسان في وطنها يجعلنا نعيش وقع قولها تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة من قبل، وهي الصورة المتوحشة نفسها التي جعلت منها تقحم وربما لاول مرة الاحمر في مقتضيات رؤيتها حين تقول " يتمدد في العراء كذئب... ثم يختض.. يحمر ويغدو قبيلة بين جمر وحصى..." ان هذه الرؤية المتوحشة التي تعطي  صورة الواقع الانساني في وطنها تبهر وتثير الدهشة فهذه التراكيب قلما تجتمع في نص ابداعي حداثي لكونها تراكيب يمكن ان توظف ضمن سياقات تضادية مغايرة في بناها الشعرية القصدية منها والايحائية، ولكن الشاعرة وبثقة وظفتها لتعطينا موقفها من جهة، وتصويرها للواقع من جهة اخرى، وتنبأها للمستقبل كرؤية مستقلة باعثة على التأمل فهذا التناسل الذئبي لاياتي  لينثر عبق الورد في الواقع انما سيخلق ممرات ومساحات دم لانهاية لها..وعلى ايقاع الدم يختمر رؤاها لتحول الحلم المجهض في البداية والباحث عن انتفاضة في وقت ما الى الالتجاء للسواد كمعبر عن هويته الجديدة..

كنت وحدي اعبث بالفيض

انسخ الفجر على لوح الحلم...واذرع السواد

كنت اصبغ الليل بخلوته..

تنوعتسياقات اللون في نصوص شاعرتنا حتى انها اعتمدت الكثير من الاعتمالات بشقيها الاملية واليأسية الا انها اجمالا انتهجت التعبير عن مكنونها الذاتي الشخصي وموقفها تجاه البراني " الوطن" ضمن نسق متصاعد، حتى اصبح تنبأ بما لايمكن تصوره بسهولة، ولهذا نجدها تنبهنا الى نقطة الحسم في كونها لاتاتي برؤاها من فراغ وانها تتحمل مسؤولية ما تقوله فعبثها بالفيض لاياتي اعتباطيا انما من قناعتها وادراكها بالموجودات والمؤثرات التي تفيض عليها من كل صوب فتجعلها تارة تعيش وقع الحلم المجهض وتارة وقع الحلم المتمرد على الواقع والباحث عن بداية جديدة، وتارة اخرى عن الحلم الذي يكاد يتم وأده دون ان يحفظ للفجر من مساحة، فتأتي التقاطاتها الشعرية موحية بتفنن ووعي لتضفي على الايقاع الجواني حتمية التمازج بينه وبين البراني، وهذا ما يجعلها في كل مرة تصل الى هذا اليأس ان تتخذ من الطفولة ممرا لفتح ممرات جديد على الرغم من توارثها للسواد..

سماء البارحة هي نفسها

سوداء جدا في حدقة طفل

وعصفور بريش منخك

تلكهي الصورة التي باتت تؤرق روحها وامانيها وكل موجوداتها ، فالزمنية هنا ليست محددة بقدر ما هي امتداد منغرس في الوقت نفسه، حيث توق الشاعرة الى حياة جديدة غير التي كانت وآلت اليه الامور في حاضرها تجبرها على الانقياد لميلادات جديدة والطفولة هي التي ترمز لتلك الامتدادات المتجددة في رؤاها والتي تحاول ان تخرج من يأسها ووقع البراني عليها، حتى وان كانت ستتخذ مسارات غريبة لكنها في الاصل مسارات تعطي انفراجاً وحرية وحياة اخرى..

هذا الذي يتوسط بين ارض تكتمل بعشاقها

والمشهد الضيق بصرخة في اتجاه التوابيت الوردية

تلكهي المساحات التي تريد الشاعرة ان تخلقها في انصهارها الذاتي الشعري هنا، حيث الاتحاد والحلول بالتراب الذي يضم تحت انقاضه رفات ارواح من ارادوا للواقع وردياً لمن يأتوا من بعدهم دون ان يكون الدم والسواد هما ما يلونان الواقع، وبهذا تنتقل الالوان في مخيلة الشاعرة الى محاكاة الواقع" الوطن" و"الانسان"  الى لغة الروح بكل ما تتناوبها من اتكاءات المشاعر على حركةالنفس التي تريد ان تتشكل من خلال الوانها ما يسجد رؤيتها وانفعالاتها وتوحدها بترابها وانسان وطنها على الرغم من ما في توظيفاتها اللونية من علامات تزخر بدلائل حياة مقهورة.

  

 

اعتصرت الرؤية الاجهاضية التي تبنتها الشاعرة ضحى من خلال تماسها المباشر مع الواقع البراني الذي تمثل في هزات وعواصف ضربت شواطئ وطنها، فكانت الصبغة الانتمائية طاغية على نصوصها، وكان النفور من ما آلت اليه الاوضاع بمثابة جرح مزمن اصيب به روح الشاعرة، لاسيما انها عاشت مخاض التغيير والثورة التي ارادها الجميع نقطة انطلاق نحو افاق ابعد مما كانت عليه، وكأن الثورة القت بظلالها ومآسيها على روح الشاعرة فجرفتها الى مخاضاتها الموجعة،  وقد ظهرت تلك المخاضات من البدء حيث العنوان " صفقة مع الريح" وكأن مديات الواقع وتمفصلاته قد اوقعت شاعرتنا في حالة من الشك بما ستؤول اليه الاوضاع في وطنها بعدما تلاشى الامان وانتشر الموت المجاني في الشوارع، وتداخلت مضامين الساسة وطموحاتهم مع الحياة الاجتماعية البسيطة التي ارادها الناس بعد ثورتهم فاصبح لسان الحال يقول لقد عقدنا صفقة الحرية مع الريح، لذا نلامس هذا التفاعل الحي والوجداني والعقلي بين الذات الشاعرة وبين الاحداث البرانية، والتي تجلت في صور شعرية ماتعة ورؤى بلاغية ابدعت شاعرتنا في رسمها بالكلمات، ومع تلك المخاضات المتنوعة ظهر اللون كركيزة في الديوان بحيث وجدنا بانه قلما كتبت الشاعرة نصاً في ديوانها دون التطرق الى ماهية لون ما، او حتى الايحاء باللونية سواء كمدلول ايحائي او قصدي، ومن خلال هذه الدراسة النقدية سنحاول التوقف على مصاف اللونية في قصائد شاعرتنا:

لقد ارتكز المعجم اللوني  في ديوان صفقة مع الريح على التعددية اللونية التي يمكن رصد بعض ملامحها ضمن اطارين الاول يعتمد على القصدية كالسواد حيث ورد مرتين، والبياض اربع مرات، كما ورد كل من الاحمر والوردي والاخضر مرة واحدة، وورد النرجسي والفضي مرتين، والثاني الايحائية لاسيما في توظيف لفظة لون التي وردت في  عشر تشكيلات دلالية، بصيغ مختلفة مفردة وجامعة ومقترنة بلونية محددة كالبني والرمادي وبصيغ تشبيهية ايضاً، كما ان لفظة الحبر وردت بشكل واضح في نصوص ضحى وهي اشارة استدلالية يمكن التكهن باحتمالية لونية في بعض مضامينه اذا ما اسقطنا اللفظة على ماهية الكتابة التي وردت بها في اغلب الاحيان الا اننا سنكتفي بذكرها هنا دون البحث في ماوراء استخدامتها، واجمالا اتت اللونية  بدلالات قصدية وايحائية ضمن منظومة مركزة اعتمدت عليها الشاعرة لاغراض شعرية وتشكيلية مختلفة، حيث  يذهب د. دريد يحيى الخواجة الى "ان اللون في القصيدة لاياتي محايداً بل يكون نتيجة احساس في سياق النص، ودلالة ما لها تأثيرها العمق في حملة تجليات النص الخفية، كما انه يعتبر علامة في سياق التعبير الشعري نستكشف دوره في وحدة النص المركزية، وفي تفريعاته التي يردها الى بنية ارتباطاتها في تشكيل النص"،  وهذا ما نلمسه في توظيفات شاعرتنا للالوان بصورة عامة، فضلاً عن ذلك فان الالوان اتت كحراك موازي للذات الشاعرة ورؤاها التي تناسلت ونمت من واقعها سواء على المستوى الانتمائي ام الذاتي الشخصي، وفي كلا المستويين نلامس حراكاً موازيا لاستخدامات اللون بحيث تحقق رؤيتها دون ان تخرج النص من سياقه ونسقه الشعري الحداثي، وهذا ما يجعلنا نعي بان توظيف اللون في مثل هذه السياقات تعني على الارجح رسم صورة نصية مؤثرة. مثلما فعلت في اغلب نصوصها:

يتعبني البياض...تتعبني قبلة عاشق

 واغنية اخر الليل

فهذه الصورة المتجلية التي تعاكس المضمون الظاهري للرؤيا البصرية، باعتبار ان البياض دائما له تأثيره الايجابي والموحي بالسلام والامان، او حتى في الاستسلام، فانه هنا يؤدي دوره التضادي وببصيرة ووعي تام بموجبات المغايرة، لاسيما ان شاعرتنا تعمدت على ان يسبق الفعل المؤثر " يتعبني"  على البياض مما يوحي بعمق الهوة التي تعيشها الذات الشاعرة بحيث اصبح البياض كلون مؤثر بايجابية على الروح والنفس هنا لونا يشير على تعاسة الواقع البراني وصعوبته واحالة البياض الى لون منهك ومتعب على المستوى الدلالي الانتمائي والوجداني معاً وهذا ما يتضح لنا بصورة واضحة من خلال الحراك اللوني ذا التشعب التوظيفي والتشكيلي معاً، فالواقع المغاير الذي حول البياض الى ارهاق وتعب هو نفسه الذي يجعل من الذات تعيش الغربة والوحدة في حالتها الوجدانية، وهذا ما تؤكده الشاعرة في موضع اخر من ديوانها، حيث تبقي البياض ضمن دائرة التعب، والوحشة، والفتنة:

من متعب الى عاشق

يتقاذفه الاشتياق

وماء القلب المخضب بالوحشة والبياض

وهذيان الهواء و الفتنة

هذه التوهيمات البلاغية الدلالية التصويرية الفائقة تجعلنا نعيش واقع البياض الذي تصوره لنا الشاعرة بدقة وحرفية، على اننا نلامس في الصورة الثانية اكثر توحشاً واكثر جدلية في الاخذ بالبياض كلون محرك لتلك الرؤى التي تنادي وتؤمن بها شاعرتنا، فالوجدانية ان سبقت هنا اللونية الا انها كانت المدخل لتعطينا الصورة الاكثر تماساً مع الواقع التي تعيشه، حيث الفتنة التي الحقت الدمار بكل ما هو جميل من حولها جعلتها تضع البياض في خانة الالوان التي لم تعد تؤدي دورها في حياتها ورؤيتها، على الرغم من كونها حاولت ان تفتح للبياض فسحة وممراً للعودة في نص اخر، الا انها فسحة احتمالية تنتظر جيلاً اخراً يأتي ليدفن مخاضات البياض الذي لبس رداء الفتنة، فيعيش بروح الطفولة معبراً عن كينونته:

طفلة تلون الغابة ببياض اللهو

تختصر فيها صوفية العشق

وعلى هذا الاساس تنتظر الشاعرة ا ن ياتي جيل اخر " طفلة" لتلون الغابة ، الواقع المتحول الى خراب فتعيد بلهوها البريء العشق المفقود بروحية التصوف، أي الوحدة والاتحاد من جديد، وهذه الصورة بحد ذاتها تعطينا يقيناً بان الشاعرة لم تقع في اليأس المطلق انما لم تزل تعيش وقع امل ربما ليس بقريب ولكنه ليس بمستحيل، ولا يهم ان كان حلماً في الاساس لانه سيحمل في الاول والاخير لوناً ما يغير معالم الموجود، ولهذا نجدنا في نصوص كثيرة نعيش وقع اللونية بصورة مغايرة تماماً بحيث لاتعطينا الشاعرة لوناً  معرفياً محدداً الا من خلال السياق العام للفظة اللون نفسه، ولكنها في الاغلب مرهونة بحلم آت واخر مدفون او على وشك الدفن:

يمضي حلم

والجسد يزداد سوء في لون الغيوم

حلم يجيء يراق في دمه طفلة...

الحلمية هنا ليست توليفة وهمية، انما هي ارتباطية حسية ادراكية لمحركات الواقع والاحساس الداخلي للذات الشاعرة، فالحلم ان ظل في مساره سائراً، فانه قد يكون بلون ماء، وليس مستحيلاً ان يلبس لون الغيوم، وهذه الغيوم هي المحرك والفيصل في تحديد سياق اللون نفسه، لكون الغيوم عادة ماتكون سوداء، وفي سوداها احتمالية اخرى تفوق اللون نفسه باعتبارها تكون بردائها هذا ماطرة، ولهذا نجد الحلم يلبس الجسد والجسد يلبس لون الغيوم فتحرك مساحة الحلم لتراق في النهاية " طفلة" هذه المعادلة الصعبة في كل مستواياتها تتخذ من معبر لفظة اللون احتمالية مغايرة عن تلازمية اللون الاسود للغيوم، حتى ان الشاعرة نفسها تأتينا بصورة اخرى تعقب الامطار فتجعله مدخل للتمازج بين ماهية الامطار وماهية اللون البني" الترابي" هنا:

تتناوب عليه الامطار

ويغيب اللون البني وصغار الجن....

التعاقب الذي اولدته الشاعرة هنا، الامطار، اللون البني، صغار الجن، هو في تشكيله الظاهر يوحي بصورة مختصرة لوجودية الكائن الانساني، فاذا ماء جعلنا الصورة الرامزة هنا تحكي بمنطق ووعي سنجد بان الماء والتراب والحياة كعناصر اساسية للتكوين تراكمت معا لاينقصها الا النار ليصبح المشهد متكاملا لاسيما وانه مرهون بجذع النخلة  في قصيدة " مريم"   أي في الصورة الاساسية التي تأسست منها اشكالية التناوب، لهذا السبب ان الصورة التي تثبت اللونية هنا بتلازمية البني هو الاصل الترابي الذي توشك الشاعرة ان تعطيه شكل مغاير لكونه اصبح مرهوناً بمترتبات لاثبات لها على الرغم من تاريخيتها وعمقها في الوجود ...

منذ خطيئة في باطن حدقتي

وانا الهو بلون يثير شهيتي للغناء

حين نحدد جغرافية الوجود نعيدها في بعض الميثولوجيات الى الخطيئة، لكن هنا حتى لايكون الالتباس ممكنا نستقطع اداة التعريف عنها" خطيئة" لنوظفها ضمن اطارها الجغرافي المحدود جداً ف " حدقتي" لاتعطي احتمالات كثيرة خارجة عن نطاق الذات الشاعرة، لاسيما انها تلحقها ب" انا" حيث لامجال للتفكير خارج هذا الاطار المحدد، لكن هذا في الوقت نفسه لايعطي انطباعاً بامكانية التأويل الواحد لماهية " خطيئة" بل تعطينا مساحات تخيل غير محددة يمكن ان تتضمن خطيئة وجدانية او خطيئة انتمائية بالاخص ان الثانية هنا توشك ان تغطي اغلب المسامات الوجدانية والفكرية داخل الديوان فالانتماء له الاولوية في توظيفات شاعرتنا حتى وان كانت قد اتسمت بالكثير من الالم، ولعلي اغاير الصورة الظاهرة لشهية الغناء هنا باعتباره غناء من الصدمة الممهدة لتأويلات عميقة مرتبطة بصميم الحراك الشعري والشعوري:

الليل يرغمنا على التأويل

والالوان تتسع في القصيد وحلم الفقراء

هذا مانسميه قيمة الصورة الرامزة النابعة من الاحتمالية اللونية التي توظفها الشاعرة في ديوانها المبني اصلا على اساس توهيمي بلاغي تشكيلي، او بالاحرى امكانية طرح الافتراضية التي تحيل سيمائية اللون الى رمز له فاعليته الخاصة في بنية القصيدة ومسارها البلاغي التشكيلي، فبمجرد تأمل المشهد الليل المقترن بالتأويل ندرك وقتها ان الحالة تتخذ مساراً مغايراً ، لهذا تاتي لفظة" الالوان" هنا بدون قصدية تحديدية انما شمولية ايحائية تخترق بنية القصيدة ولاتقف عند حدودها الظاهرية بل تتعداها الى حلم الفقراء باعتبارهم هنا هم اساس الفعل الحدثي المقترن بتأويلية الليل، والمحرك للذات الشاعرة لرصد الحراك البراني المتيقن بما تؤول اليه الحالة نفسها طالما انها اقترنت بحلم الفقراء، وهذا بالتالي ما يحرك فيها دمها بدهشة من لم تتوقع ان تصبح الامور بهذا الشاكلة المغايرة للتصور...

يفيض دمي الملون بالدهشة

افتح للماء الناعم ذاكرة اخرى

عامل الدهشة هو المحرك الفعال في صيرورة " يفيض" لكون مترتبات السابق تعطي مساحات ممتلئة يمكن من خلالها ادارك ماهية " تفيض" بل احيانا توجبها لكمها الهائل، لكن ما يخلق الدهشة هو كون الدم اقترن هنا بلونية مستحدثة في تعبير عن كون ما يجري لاينتمي اليه، وهذا ما احال الذات الشاعرة الى توظيف الدهشة كمقترن استدلالي للونية الدم نفسه، فضلاً عن استحداث قرين اخر ينتمي الى الدم في تكوينه "الماء" وبنعت يبعث هو الاخر الى الدهشة " الناعم" باعتبار ان الماء لاينعت كما انه لاينتمي الى لونية اثباتية، لكن تلك التوظيفات اجمالاً اتت لتؤثث لعوالم ارداتنا الشاعرة ان نقيسها وفق معايير البراني المستحدث اصلا في فعله المؤثر بحيث يصبح الواقع غير الذي تم انتظاره، ولذلك تنشط الذاكرة فتصطدم بالموجود، مما يحيلها الى اللجوء بخلق ذاكرة اخرى غير التي امتئلت بتلك الصور، ولاج لان تفعل ذلك عليها ان تستند الى العاطفة هنا لايجاد معبر آمن لرؤاها وروحها ....

جربت ان ارتدي لون يديك

واتقاسم معك الخطوات حين تبتعد عنا الارض

هذه التوهيمة الصوفية هي قمة التأثر بالواقع البراني وقمة التأثر بمترتبات الحدث العام الذي اعطت صورة مغايرة تماما لما كانت الذات الشاعرة تنتظره،  فاضطرت الى خلق ذاكرة تعيد بعض الصور المعلقة في اللاوعي والتي اصلا كانت تنتظر استفاقة من الوعي لتكون جاهزة في اداء دورها الوجداني الانتمائي معاً، وهذه الصور وان اتت مغايرة للنسق العام للحراك التوظيفي اللوني السابق الا انها استكمال طبيعي للصيرورة الذاكراتية لدى الذات الشاعرة، وهي لاتتوقف بمجرد وصف الحالة المتاحة والفعالة آنياً انما هي استمرار لفعل كائن مؤثر على روحية الشاعرة وتنتظر من الواقع صورة تبعدها عن مترتبات الصفقة التي لم تكسب الروح الامان..

يسقط غصنك المنحني فوق غيم خفيف

يطفو من مخيلة ليلتك لون الروح الرمادي

فعل الاسقاط ليس بتعبير مجاني عبثي استخدمته الشاعرة لرسم ملامح شيء محدد، انما هي استعارة تبعث الدهشة المستكملة للدم الملون بالدهشة، فارتابط "يسقط" ب" غيم" ومن ثم ب " لون الروح الرمادي" تجعلنا نعيش وقع الرؤية بتجليات متباينة في احداثياتها التشكيلية واستنباطاتها التأويلية باعتبارها تثير تعددية تأويلية واضحة من حيث التناغم البنيوي للغة والرؤية معاً، وهي في الاصل اتت مكملة لاسقاطات لونية اخرى سابقة ولاحقة وظفتها الشاعرة لايصال الصورة بتقنية الدهشة التي اعتمدتها في جذب مكونات الصورة نفسها، على اعتبار ان رمادية الروح هنا ليست بامر طارئ انما هي امتداد للحراك السلبي البراني الذي اثر في كينونة الروح واخرجتها حتىذاكرتها الاخرى التي استعانت بها، ولهذا نجد بان الشاعرة تعيد رسم الصورة باللون الرمادي لكن هذه المرة تعيره للدم  " لم اكن قريبة مني لكن خفقة الدم خلف اللون الرمادي ،، تزيح الحلم في منتصف النعاس .."  وبتضاد مع الروح الصوفية التي حاولت قبل الان ان تلجأ اليها باعبتار ان الذاكرة الاخرى ايضا لم تستطع ان تستوعب مرتبات الواقع البراني فادخلت الروح في معترك الانفصام مع كينونتها ودمها واحلامها، وفي محاولة جادة من الذات الشاعرة ان تستوعب الموقف الاجمالي حاولت ان تستعين بصورة رامزة مؤثرة في بنية القصيدة ومعبرة عن الانتمائية المغايرة للصورة الظاهرة " الكف المرفوع كلون الشمس ..." هذا الكف يمكن تخيله يراود مقبض الباب بصورة مغايرة بعيدا عن التجسد السطحي، حيث يمكن ان تحيلنا الى ذلك الكف التي تريد تغيير الواقع دون ان تلجأ مضطرة الى مغادرة جغرافيتها، وهي بذلك تؤثث لون الشمس كمدخل استعلائي لتلك الكف المطالبة بحق وجودها وحق الابقاء على محصلات الفكر القائم من اجل تغيير الواقع وليس من اجل صور وهمية تحاول طفلة ما ان تغير ملامحها بلهوها البريء وهي في الاصل تلهو في الغابة، وهذا ما جعلت الشاعرة تدخل معترك التساؤلات لتخرج من تجويفاتها الحلمية المنغلقة على اثارة اللونية كمنطلق اساس للتصوير والسؤال وفجر اخر..

من وضح الحلم اكتبه واراهن الحياة بصورة وسؤال

ثم ادخل الصحو بالوان تستكمل بهاء الفجر

يقدم لنا هذه الصورة في سيمائية اللون شيئاً مختلفا من حيث الاسيقة الشعرية السابقة باعتباره هنا يمنطق تلك المسارات من اجل استحداث نمط وجودي اخر، لهذا نلامس فيه اختلاق صحوة فعلية في التشكيلات البلاغية  للفظة " اللون " التي اعتمدتها الشاعرة بحيث اصبحت هنا اكثر نضجا من حيث الفكرة التي اراها تتكئ على ما تثار من احتمالات المعنى وتنسج علاقات منتظرة، في كينوتها وهذا ما يمكن ملامسته من تغير البنية اللغوية في توضيحاتها الدلالية الموظفة ضمن الاطار الحلمي، فمن احلام مسكونة بتعبية الواقع نجدها تنطلق من الحلم نفسه لايصال رؤاها المتقدة والتي تبدأ بالكتابة كايحاء بالبدء او بداية جديدة، ومراهنة الحياة من حلال معتركه الاكثر ايحاءً التصوير والتساؤال وكل هذا من اجل اثبات الرؤية التي تستحق المحاولة بنظر الشاعرة والتي من خلال تدخل الصحو بالوان اخرى غير التي سبقت وان اجهضت امانيها بواقع مغاير وجديد لاسيما بعد الصفقة الاكبر في تاريخها، صحو فيه فجر مكتمل،، وعلى الرغم من ان الشاعرة نفسها تعي صعوبة الامر الا انها اغتنمت تلك الصحوة في ذاتها لتعبر عنها بشفافية لونية واضحة وذلك لكون ان قلبها لم يزل محملاً بالكثير من الاماني..

وكان قلبي يحمل خضرة قميصي وحرية العبارة..

تلك هي النقطة التي تنطلق منها عبارتها المحملة بالكثير من الاماني  علها ترسو على شواطئ الحرية المنشودة والتي من اجلها كانت الصفقة الاهم في تاريخ وجودها، ولذلك نجدها تغاير النسق العام لاستخداماتها اللونية فتأتي هنا ب" خضرة" كمدلول واضح لاهمية الترابط الزمكاني في نصوصها الناقلة لواقع الانتمائي من جهة، ولتصوراتها لذلك الواقع بعد التغيير من جهة اخرى، والاعتمالات التي تريد ان تؤثث عوالمها القصية كمدخل مغاير لما كان ولما هو الان، فلتجأ الشاعرة من اجل تفعيل تلك الرؤى الى محددات لونية واضحة ومسميات اقترانية تفيض الاحتمالية مثلما نجدها في هذه الايقونة" هنا نرجسة تحت سماء تحوم في فضاء لايرى" و في " تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة.." وفي " نشتهي الفاكهة في الجمر .. نعبر النرجس الشبقي.."، نجد في هذه الالتقاطات سواء من حيث تكرار اللون او تلازميتها لمقترنات ذات دلالات انتمائية واخرى وجدانية صوفية، علاقة متينة بالصياغة التي قد لاتلتزم بالتوجه الى توظيف الدلالات اللونية مباشرة بل تعمل على صياغتها وفق معطيات متداخلة يحفز وتنشط الكشف والتحليل، وبلاشك يعد هذا من احدى مرتكزات النص الشعري الحداثي الذي يحتفي بالمغايرة في اسستثمار اللونية وجمالياتها في تشكيل النص وفي  مكوناته، فلكل من " الفضة" و"نرجسة" سياقاتها المحددة ضمن اجمالي النسق الشعري النصيي الحداثي هنا، مما يحيلنا بالتالي الى استقدامات تلازمية اخرى يمكن من خلالها صياغة الرؤيا الاجمالية لهذه الالتقاطات اللونية ذمن مسمياتها وجغرافيتها، وعلى هذا الاساس يلزمنا تتبع خطاها لمعرفة منطقها المخصوص لاسيما انها تكررت في مواضع اخرى بدلالات وصور يستنبط منها توحشاً كما في" وهم يقتسمون حلمك..يفتحون قميصك الفضي للريح..." فهذه الصورة المتوحشة والتي تنقل بجدلية واضحة الواقع العياني الذي بات يعيشه الانسان في وطنها يجعلنا نعيش وقع قولها تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة من قبل، وهي الصورة المتوحشة نفسها التي جعلت منها تقحم وربما لاول مرة الاحمر في مقتضيات رؤيتها حين تقول " يتمدد في العراء كذئب... ثم يختض.. يحمر ويغدو قبيلة بين جمر وحصى..." ان هذه الرؤية المتوحشة التي تعطي  صورة الواقع الانساني في وطنها تبهر وتثير الدهشة فهذه التراكيب قلما تجتمع في نص ابداعي حداثي لكونها تراكيب يمكن ان توظف ضمن سياقات تضادية مغايرة في بناها الشعرية القصدية منها والايحائية، ولكن الشاعرة وبثقة وظفتها لتعطينا موقفها من جهة، وتصويرها للواقع من جهة اخرى، وتنبأها للمستقبل كرؤية مستقلة باعثة على التأمل فهذا التناسل الذئبي لاياتي  لينثر عبق الورد في الواقع انما سيخلق ممرات ومساحات دم لانهاية لها..وعلى ايقاع الدم يختمر رؤاها لتحول الحلم المجهض في البداية والباحث عن انتفاضة في وقت ما الى الالتجاء للسواد كمعبر عن هويته الجديدة..

كنت وحدي اعبث بالفيض

انسخ الفجر على لوح الحلم...واذرع السواد

كنت اصبغ الليل بخلوته..

تنوعت سياقات اللون في نصوص شاعرتنا حتى انها اعتمدت الكثير من الاعتمالات بشقيها الاملية واليأسية الا انها اجمالا انتهجت التعبير عن مكنونها الذاتي الشخصي وموقفها تجاه البراني " الوطن" ضمن نسق متصاعد، حتى اصبح تنبأ بما لايمكن تصوره بسهولة، ولهذا نجدها تنبهنا الى نقطة الحسم في كونها لاتاتي برؤاها من فراغ وانها تتحمل مسؤولية ما تقوله فعبثها بالفيض لاياتي اعتباطيا انما من قناعتها وادراكها بالموجودات والمؤثرات التي تفيض عليها من كل صوب فتجعلها تارة تعيش وقع الحلم المجهض وتارة وقع الحلم المتمرد على الواقع والباحث عن بداية جديدة، وتارة اخرى عن الحلم الذي يكاد يتم وأده دون ان يحفظ للفجر من مساحة، فتأتي التقاطاتها الشعرية موحية بتفنن ووعي لتضفي على الايقاع الجواني حتمية التمازج بينه وبين البراني، وهذا ما يجعلها في كل مرة تصل الى هذا اليأس ان تتخذ من الطفولة ممرا لفتح ممرات جديد على الرغم من توارثها للسواد..

سماء البارحة هي نفسها

سوداء جدا في حدقة طفل

وعصفور بريش منخك

تلك هي الصورة التي باتت تؤرق روحها وامانيها وكل موجوداتها ، فالزمنية هنا ليست محددة بقدر ما هي امتداد منغرس في الوقت نفسه، حيث توق الشاعرة الى حياة جديدة غير التي كانت وآلت اليه الامور في حاضرها تجبرها على الانقياد لميلادات جديدة والطفولة هي التي ترمز لتلك الامتدادات المتجددة في رؤاها والتي تحاول ان تخرج من يأسها ووقع البراني عليها، حتى وان كانت ستتخذ مسارات غريبة لكنها في الاصل مسارات تعطي انفراجاً وحرية وحياة اخرى..

هذا الذي يتوسط بين ارض تكتمل بعشاقها

والمشهد الضيق بصرخة في اتجاه التوابيت الوردية

تلك هي المساحات التي تريد الشاعرة ان تخلقها في انصهارها الذاتي الشعري هنا، حيث الاتحاد والحلول بالتراب الذي يضم تحت انقاضه رفات ارواح من ارادوا للواقع وردياً لمن يأتوا من بعدهم دون ان يكون الدم والسواد هما ما يلونان الواقع، وبهذا تنتقل الالوان في مخيلة الشاعرة الى محاكاة الواقع" الوطن" و "الانسان"  الى لغة الروح بكل ما تتناوبها من اتكاءات المشاعر على حركة النفس التي تريد ان تتشكل من خلال الوانها ما يسجد رؤيتها وانفعالاتها وتوحدها بترابها وانسان وطنها على الرغم من ما في توظيفاتها اللونية من علامات تزخر بدلائل حياة مقهورة.

  

ثجوتيار تمر


- See more at: http://www.alnoor.se/article.asp?id=235721#sthash.NF7myXgw.dpuf

اعتصرت الرؤية الاجهاضية التي تبنتها الشاعرة ضحى من خلال تماسها المباشر مع الواقع البراني الذي تمثل في هزات وعواصف ضربت شواطئ وطنها، فكانت الصبغة الانتمائية طاغية على نصوصها، وكان النفور من ما آلت اليه الاوضاع بمثابة جرح مزمن اصيب به روح الشاعرة، لاسيما انها عاشت مخاض التغيير والثورة التي ارادها الجميع نقطة انطلاق نحو افاق ابعد مما كانت عليه، وكأن الثورة القت بظلالها ومآسيها على روح الشاعرة فجرفتها الى مخاضاتها الموجعة،  وقد ظهرت تلك المخاضات من البدء حيث العنوان " صفقة مع الريح" وكأن مديات الواقع وتمفصلاته قد اوقعت شاعرتنا في حالة من الشك بما ستؤول اليه الاوضاع في وطنها بعدما تلاشى الامان وانتشر الموت المجاني في الشوارع، وتداخلت مضامين الساسة وطموحاتهم مع الحياة الاجتماعية البسيطة التي ارادها الناس بعد ثورتهم فاصبح لسان الحال يقول لقد عقدنا صفقة الحرية مع الريح، لذا نلامس هذا التفاعل الحي والوجداني والعقلي بين الذات الشاعرة وبين الاحداث البرانية، والتي تجلت في صور شعرية ماتعة ورؤى بلاغية ابدعت شاعرتنا في رسمها بالكلمات، ومع تلك المخاضات المتنوعة ظهر اللون كركيزة في الديوان بحيث وجدنا بانه قلما كتبت الشاعرة نصاً في ديوانها دون التطرق الى ماهية لون ما، او حتى الايحاء باللونية سواء كمدلول ايحائي او قصدي، ومن خلال هذه الدراسة النقدية سنحاول التوقف على مصاف اللونية في قصائد شاعرتنا:

لقد ارتكز المعجم اللوني  في ديوان صفقة مع الريح على التعددية اللونية التي يمكن رصد بعض ملامحها ضمن اطارين الاول يعتمد على القصدية كالسواد حيث ورد مرتين، والبياض اربع مرات، كما ورد كل من الاحمر والوردي والاخضر مرة واحدة، وورد النرجسي والفضي مرتين، والثاني الايحائية لاسيما في توظيف لفظة لون التي وردت في  عشر تشكيلات دلالية، بصيغ مختلفة مفردة وجامعة ومقترنة بلونية محددة كالبني والرمادي وبصيغ تشبيهية ايضاً، كما ان لفظة الحبر وردت بشكل واضح في نصوص ضحى وهي اشارة استدلالية يمكن التكهن باحتمالية لونية في بعض مضامينه اذا ما اسقطنا اللفظة على ماهية الكتابة التي وردت بها في اغلب الاحيان الا اننا سنكتفي بذكرها هنا دون البحث في ماوراء استخدامتها، واجمالا اتت اللونية  بدلالات قصدية وايحائية ضمن منظومة مركزة اعتمدت عليها الشاعرة لاغراض شعرية وتشكيلية مختلفة، حيث  يذهب د. دريد يحيى الخواجة الى "ان اللون في القصيدة لاياتي محايداً بل يكون نتيجة احساس في سياق النص، ودلالة ما لها تأثيرها العمق في حملة تجليات النص الخفية، كما انه يعتبر علامة في سياق التعبير الشعري نستكشف دوره في وحدة النص المركزية، وفي تفريعاته التي يردها الى بنية ارتباطاتها في تشكيل النص"،  وهذا ما نلمسه في توظيفات شاعرتنا للالوان بصورة عامة، فضلاً عن ذلك فان الالوان اتت كحراك موازي للذات الشاعرة ورؤاها التي تناسلت ونمت من واقعها سواء على المستوى الانتمائي ام الذاتي الشخصي، وفي كلا المستويين نلامس حراكاً موازيا لاستخدامات اللون بحيث تحقق رؤيتها دون ان تخرج النص من سياقه ونسقه الشعري الحداثي، وهذا ما يجعلنا نعي بان توظيف اللون في مثل هذه السياقات تعني على الارجح رسم صورة نصية مؤثرة. مثلما فعلت في اغلب نصوصها:

يتعبني البياض...تتعبني قبلة عاشق

 واغنية اخر الليل

فهذه الصورة المتجلية التي تعاكس المضمون الظاهري للرؤيا البصرية، باعتبار ان البياض دائما له تأثيره الايجابي والموحي بالسلام والامان، او حتى في الاستسلام، فانه هنا يؤدي دوره التضادي وببصيرة ووعي تام بموجبات المغايرة، لاسيما ان شاعرتنا تعمدت على ان يسبق الفعل المؤثر " يتعبني"  على البياض مما يوحي بعمق الهوة التي تعيشها الذات الشاعرة بحيث اصبح البياض كلون مؤثر بايجابية على الروح والنفس هنا لونا يشير على تعاسة الواقع البراني وصعوبته واحالة البياض الى لون منهك ومتعب على المستوى الدلالي الانتمائي والوجداني معاً وهذا ما يتضح لنا بصورة واضحة من خلال الحراك اللوني ذا التشعب التوظيفي والتشكيلي معاً، فالواقع المغاير الذي حول البياض الى ارهاق وتعب هو نفسه الذي يجعل من الذات تعيش الغربة والوحدة في حالتها الوجدانية، وهذا ما تؤكده الشاعرة في موضع اخر من ديوانها، حيث تبقي البياض ضمن دائرة التعب، والوحشة، والفتنة:

من متعب الى عاشق

يتقاذفه الاشتياق

وماء القلب المخضب بالوحشة والبياض

وهذيان الهواء و الفتنة

هذه التوهيمات البلاغية الدلالية التصويرية الفائقة تجعلنا نعيش واقع البياض الذي تصوره لنا الشاعرة بدقة وحرفية، على اننا نلامس في الصورة الثانية اكثر توحشاً واكثر جدلية في الاخذ بالبياض كلون محرك لتلك الرؤى التي تنادي وتؤمن بها شاعرتنا، فالوجدانية ان سبقت هنا اللونية الا انها كانت المدخل لتعطينا الصورة الاكثر تماساً مع الواقع التي تعيشه، حيث الفتنة التي الحقت الدمار بكل ما هو جميل من حولها جعلتها تضع البياض في خانة الالوان التي لم تعد تؤدي دورها في حياتها ورؤيتها، على الرغم من كونها حاولت ان تفتح للبياض فسحة وممراً للعودة في نص اخر، الا انها فسحة احتمالية تنتظر جيلاً اخراً يأتي ليدفن مخاضات البياض الذي لبس رداء الفتنة، فيعيش بروح الطفولة معبراً عن كينونته:

طفلة تلون الغابة ببياض اللهو

تختصر فيها صوفية العشق

وعلى هذا الاساس تنتظر الشاعرة ا ن ياتي جيل اخر " طفلة" لتلون الغابة ، الواقع المتحول الى خراب فتعيد بلهوها البريء العشق المفقود بروحية التصوف، أي الوحدة والاتحاد من جديد، وهذه الصورة بحد ذاتها تعطينا يقيناً بان الشاعرة لم تقع في اليأس المطلق انما لم تزل تعيش وقع امل ربما ليس بقريب ولكنه ليس بمستحيل، ولا يهم ان كان حلماً في الاساس لانه سيحمل في الاول والاخير لوناً ما يغير معالم الموجود، ولهذا نجدنا في نصوص كثيرة نعيش وقع اللونية بصورة مغايرة تماماً بحيث لاتعطينا الشاعرة لوناً  معرفياً محدداً الا من خلال السياق العام للفظة اللون نفسه، ولكنها في الاغلب مرهونة بحلم آت واخر مدفون او على وشك الدفن:

يمضي حلم

والجسد يزداد سوء في لون الغيوم

حلم يجيء يراق في دمه طفلة...

الحلمية هنا ليست توليفة وهمية، انما هي ارتباطية حسية ادراكية لمحركات الواقع والاحساس الداخلي للذات الشاعرة، فالحلم ان ظل في مساره سائراً، فانه قد يكون بلون ماء، وليس مستحيلاً ان يلبس لون الغيوم، وهذه الغيوم هي المحرك والفيصل في تحديد سياق اللون نفسه، لكون الغيوم عادة ماتكون سوداء، وفي سوداها احتمالية اخرى تفوق اللون نفسه باعتبارها تكون بردائها هذا ماطرة، ولهذا نجد الحلم يلبس الجسد والجسد يلبس لون الغيوم فتحرك مساحة الحلم لتراق في النهاية " طفلة" هذه المعادلة الصعبة في كل مستواياتها تتخذ من معبر لفظة اللون احتمالية مغايرة عن تلازمية اللون الاسود للغيوم، حتى ان الشاعرة نفسها تأتينا بصورة اخرى تعقب الامطار فتجعله مدخل للتمازج بين ماهية الامطار وماهية اللون البني" الترابي" هنا:

تتناوب عليه الامطار

ويغيب اللون البني وصغار الجن....

التعاقب الذي اولدته الشاعرة هنا، الامطار، اللون البني، صغار الجن، هو في تشكيله الظاهر يوحي بصورة مختصرة لوجودية الكائن الانساني، فاذا ماء جعلنا الصورة الرامزة هنا تحكي بمنطق ووعي سنجد بان الماء والتراب والحياة كعناصر اساسية للتكوين تراكمت معا لاينقصها الا النار ليصبح المشهد متكاملا لاسيما وانه مرهون بجذع النخلة  في قصيدة " مريم"   أي في الصورة الاساسية التي تأسست منها اشكالية التناوب، لهذا السبب ان الصورة التي تثبت اللونية هنا بتلازمية البني هو الاصل الترابي الذي توشك الشاعرة ان تعطيه شكل مغاير لكونه اصبح مرهوناً بمترتبات لاثبات لها على الرغم من تاريخيتها وعمقها في الوجود ...

منذ خطيئة في باطن حدقتي

وانا الهو بلون يثير شهيتي للغناء

حين نحدد جغرافية الوجود نعيدها في بعض الميثولوجيات الى الخطيئة، لكن هنا حتى لايكون الالتباس ممكنا نستقطع اداة التعريف عنها" خطيئة" لنوظفها ضمن اطارها الجغرافي المحدود جداً ف " حدقتي" لاتعطي احتمالات كثيرة خارجة عن نطاق الذات الشاعرة، لاسيما انها تلحقها ب" انا" حيث لامجال للتفكير خارج هذا الاطار المحدد، لكن هذا في الوقت نفسه لايعطي انطباعاً بامكانية التأويل الواحد لماهية " خطيئة" بل تعطينا مساحات تخيل غير محددة يمكن ان تتضمن خطيئة وجدانية او خطيئة انتمائية بالاخص ان الثانية هنا توشك ان تغطي اغلب المسامات الوجدانية والفكرية داخل الديوان فالانتماء له الاولوية في توظيفات شاعرتنا حتى وان كانت قد اتسمت بالكثير من الالم، ولعلي اغاير الصورة الظاهرة لشهية الغناء هنا باعتباره غناء من الصدمة الممهدة لتأويلات عميقة مرتبطة بصميم الحراك الشعري والشعوري:

الليل يرغمنا على التأويل

والالوان تتسع في القصيد وحلم الفقراء

هذا مانسميه قيمة الصورة الرامزة النابعة من الاحتمالية اللونية التي توظفها الشاعرة في ديوانها المبني اصلا على اساس توهيمي بلاغي تشكيلي، او بالاحرى امكانية طرح الافتراضية التي تحيل سيمائية اللون الى رمز له فاعليته الخاصة في بنية القصيدة ومسارها البلاغي التشكيلي، فبمجرد تأمل المشهد الليل المقترن بالتأويل ندرك وقتها ان الحالة تتخذ مساراً مغايراً ، لهذا تاتي لفظة" الالوان" هنا بدون قصدية تحديدية انما شمولية ايحائية تخترق بنية القصيدة ولاتقف عند حدودها الظاهرية بل تتعداها الى حلم الفقراء باعتبارهم هنا هم اساس الفعل الحدثي المقترن بتأويلية الليل، والمحرك للذات الشاعرة لرصد الحراك البراني المتيقن بما تؤول اليه الحالة نفسها طالما انها اقترنت بحلم الفقراء، وهذا بالتالي ما يحرك فيها دمها بدهشة من لم تتوقع ان تصبح الامور بهذا الشاكلة المغايرة للتصور...

يفيض دمي الملون بالدهشة

افتح للماء الناعم ذاكرة اخرى

عامل الدهشة هو المحرك الفعال في صيرورة " يفيض" لكون مترتبات السابق تعطي مساحات ممتلئة يمكن من خلالها ادارك ماهية " تفيض" بل احيانا توجبها لكمها الهائل، لكن ما يخلق الدهشة هو كون الدم اقترن هنا بلونية مستحدثة في تعبير عن كون ما يجري لاينتمي اليه، وهذا ما احال الذات الشاعرة الى توظيف الدهشة كمقترن استدلالي للونية الدم نفسه، فضلاً عن استحداث قرين اخر ينتمي الى الدم في تكوينه "الماء" وبنعت يبعث هو الاخر الى الدهشة " الناعم" باعتبار ان الماء لاينعت كما انه لاينتمي الى لونية اثباتية، لكن تلك التوظيفات اجمالاً اتت لتؤثث لعوالم ارداتنا الشاعرة ان نقيسها وفق معايير البراني المستحدث اصلا في فعله المؤثر بحيث يصبح الواقع غير الذي تم انتظاره، ولذلك تنشط الذاكرة فتصطدم بالموجود، مما يحيلها الى اللجوء بخلق ذاكرة اخرى غير التي امتئلت بتلك الصور، ولاج لان تفعل ذلك عليها ان تستند الى العاطفة هنا لايجاد معبر آمن لرؤاها وروحها ....

جربت ان ارتدي لون يديك

واتقاسم معك الخطوات حين تبتعد عنا الارض

هذه التوهيمة الصوفية هي قمة التأثر بالواقع البراني وقمة التأثر بمترتبات الحدث العام الذي اعطت صورة مغايرة تماما لما كانت الذات الشاعرة تنتظره،  فاضطرت الى خلق ذاكرة تعيد بعض الصور المعلقة في اللاوعي والتي اصلا كانت تنتظر استفاقة من الوعي لتكون جاهزة في اداء دورها الوجداني الانتمائي معاً، وهذه الصور وان اتت مغايرة للنسق العام للحراك التوظيفي اللوني السابق الا انها استكمال طبيعي للصيرورة الذاكراتية لدى الذات الشاعرة، وهي لاتتوقف بمجرد وصف الحالة المتاحة والفعالة آنياً انما هي استمرار لفعل كائن مؤثر على روحية الشاعرة وتنتظر من الواقع صورة تبعدها عن مترتبات الصفقة التي لم تكسب الروح الامان..

يسقط غصنك المنحني فوق غيم خفيف

يطفو من مخيلة ليلتك لون الروح الرمادي

فعل الاسقاط ليس بتعبير مجاني عبثي استخدمته الشاعرة لرسم ملامح شيء محدد، انما هي استعارة تبعث الدهشة المستكملة للدم الملون بالدهشة، فارتابط "يسقط" ب" غيم" ومن ثم ب " لون الروح الرمادي" تجعلنا نعيش وقع الرؤية بتجليات متباينة في احداثياتها التشكيلية واستنباطاتها التأويلية باعتبارها تثير تعددية تأويلية واضحة من حيث التناغم البنيوي للغة والرؤية معاً، وهي في الاصل اتت مكملة لاسقاطات لونية اخرى سابقة ولاحقة وظفتها الشاعرة لايصال الصورة بتقنية الدهشة التي اعتمدتها في جذب مكونات الصورة نفسها، على اعتبار ان رمادية الروح هنا ليست بامر طارئ انما هي امتداد للحراك السلبي البراني الذي اثر في كينونة الروح واخرجتها حتىذاكرتها الاخرى التي استعانت بها، ولهذا نجد بان الشاعرة تعيد رسم الصورة باللون الرمادي لكن هذه المرة تعيره للدم  " لم اكن قريبة مني لكن خفقة الدم خلف اللون الرمادي ،، تزيح الحلم في منتصف النعاس .."  وبتضاد مع الروح الصوفية التي حاولت قبل الان ان تلجأ اليها باعبتار ان الذاكرة الاخرى ايضا لم تستطع ان تستوعب مرتبات الواقع البراني فادخلت الروح في معترك الانفصام مع كينونتها ودمها واحلامها، وفي محاولة جادة من الذات الشاعرة ان تستوعب الموقف الاجمالي حاولت ان تستعين بصورة رامزة مؤثرة في بنية القصيدة ومعبرة عن الانتمائية المغايرة للصورة الظاهرة " الكف المرفوع كلون الشمس ..." هذا الكف يمكن تخيله يراود مقبض الباب بصورة مغايرة بعيدا عن التجسد السطحي، حيث يمكن ان تحيلنا الى ذلك الكف التي تريد تغيير الواقع دون ان تلجأ مضطرة الى مغادرة جغرافيتها، وهي بذلك تؤثث لون الشمس كمدخل استعلائي لتلك الكف المطالبة بحق وجودها وحق الابقاء على محصلات الفكر القائم من اجل تغيير الواقع وليس من اجل صور وهمية تحاول طفلة ما ان تغير ملامحها بلهوها البريء وهي في الاصل تلهو في الغابة، وهذا ما جعلت الشاعرة تدخل معترك التساؤلات لتخرج من تجويفاتها الحلمية المنغلقة على اثارة اللونية كمنطلق اساس للتصوير والسؤال وفجر اخر..

من وضح الحلم اكتبه واراهن الحياة بصورة وسؤال

ثم ادخل الصحو بالوان تستكمل بهاء الفجر

يقدم لنا هذه الصورة في سيمائية اللون شيئاً مختلفا من حيث الاسيقة الشعرية السابقة باعتباره هنا يمنطق تلك المسارات من اجل استحداث نمط وجودي اخر، لهذا نلامس فيه اختلاق صحوة فعلية في التشكيلات البلاغية  للفظة " اللون " التي اعتمدتها الشاعرة بحيث اصبحت هنا اكثر نضجا من حيث الفكرة التي اراها تتكئ على ما تثار من احتمالات المعنى وتنسج علاقات منتظرة، في كينوتها وهذا ما يمكن ملامسته من تغير البنية اللغوية في توضيحاتها الدلالية الموظفة ضمن الاطار الحلمي، فمن احلام مسكونة بتعبية الواقع نجدها تنطلق من الحلم نفسه لايصال رؤاها المتقدة والتي تبدأ بالكتابة كايحاء بالبدء او بداية جديدة، ومراهنة الحياة من حلال معتركه الاكثر ايحاءً التصوير والتساؤال وكل هذا من اجل اثبات الرؤية التي تستحق المحاولة بنظر الشاعرة والتي من خلال تدخل الصحو بالوان اخرى غير التي سبقت وان اجهضت امانيها بواقع مغاير وجديد لاسيما بعد الصفقة الاكبر في تاريخها، صحو فيه فجر مكتمل،، وعلى الرغم من ان الشاعرة نفسها تعي صعوبة الامر الا انها اغتنمت تلك الصحوة في ذاتها لتعبر عنها بشفافية لونية واضحة وذلك لكون ان قلبها لم يزل محملاً بالكثير من الاماني..

وكان قلبي يحمل خضرة قميصي وحرية العبارة..

تلك هي النقطة التي تنطلق منها عبارتها المحملة بالكثير من الاماني  علها ترسو على شواطئ الحرية المنشودة والتي من اجلها كانت الصفقة الاهم في تاريخ وجودها، ولذلك نجدها تغاير النسق العام لاستخداماتها اللونية فتأتي هنا ب" خضرة" كمدلول واضح لاهمية الترابط الزمكاني في نصوصها الناقلة لواقع الانتمائي من جهة، ولتصوراتها لذلك الواقع بعد التغيير من جهة اخرى، والاعتمالات التي تريد ان تؤثث عوالمها القصية كمدخل مغاير لما كان ولما هو الان، فلتجأ الشاعرة من اجل تفعيل تلك الرؤى الى محددات لونية واضحة ومسميات اقترانية تفيض الاحتمالية مثلما نجدها في هذه الايقونة" هنا نرجسة تحت سماء تحوم في فضاء لايرى" و في " تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة.." وفي " نشتهي الفاكهة في الجمر .. نعبر النرجس الشبقي.."، نجد في هذه الالتقاطات سواء من حيث تكرار اللون او تلازميتها لمقترنات ذات دلالات انتمائية واخرى وجدانية صوفية، علاقة متينة بالصياغة التي قد لاتلتزم بالتوجه الى توظيف الدلالات اللونية مباشرة بل تعمل على صياغتها وفق معطيات متداخلة يحفز وتنشط الكشف والتحليل، وبلاشك يعد هذا من احدى مرتكزات النص الشعري الحداثي الذي يحتفي بالمغايرة في اسستثمار اللونية وجمالياتها في تشكيل النص وفي  مكوناته، فلكل من " الفضة" و"نرجسة" سياقاتها المحددة ضمن اجمالي النسق الشعري النصيي الحداثي هنا، مما يحيلنا بالتالي الى استقدامات تلازمية اخرى يمكن من خلالها صياغة الرؤيا الاجمالية لهذه الالتقاطات اللونية ذمن مسمياتها وجغرافيتها، وعلى هذا الاساس يلزمنا تتبع خطاها لمعرفة منطقها المخصوص لاسيما انها تكررت في مواضع اخرى بدلالات وصور يستنبط منها توحشاً كما في" وهم يقتسمون حلمك..يفتحون قميصك الفضي للريح..." فهذه الصورة المتوحشة والتي تنقل بجدلية واضحة الواقع العياني الذي بات يعيشه الانسان في وطنها يجعلنا نعيش وقع قولها تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة من قبل، وهي الصورة المتوحشة نفسها التي جعلت منها تقحم وربما لاول مرة الاحمر في مقتضيات رؤيتها حين تقول " يتمدد في العراء كذئب... ثم يختض.. يحمر ويغدو قبيلة بين جمر وحصى..." ان هذه الرؤية المتوحشة التي تعطي  صورة الواقع الانساني في وطنها تبهر وتثير الدهشة فهذه التراكيب قلما تجتمع في نص ابداعي حداثي لكونها تراكيب يمكن ان توظف ضمن سياقات تضادية مغايرة في بناها الشعرية القصدية منها والايحائية، ولكن الشاعرة وبثقة وظفتها لتعطينا موقفها من جهة، وتصويرها للواقع من جهة اخرى، وتنبأها للمستقبل كرؤية مستقلة باعثة على التأمل فهذا التناسل الذئبي لاياتي  لينثر عبق الورد في الواقع انما سيخلق ممرات ومساحات دم لانهاية لها..وعلى ايقاع الدم يختمر رؤاها لتحول الحلم المجهض في البداية والباحث عن انتفاضة في وقت ما الى الالتجاء للسواد كمعبر عن هويته الجديدة..

كنت وحدي اعبث بالفيض

انسخ الفجر على لوح الحلم...واذرع السواد

كنت اصبغ الليل بخلوته..

تنوعت سياقات اللون في نصوص شاعرتنا حتى انها اعتمدت الكثير من الاعتمالات بشقيها الاملية واليأسية الا انها اجمالا انتهجت التعبير عن مكنونها الذاتي الشخصي وموقفها تجاه البراني " الوطن" ضمن نسق متصاعد، حتى اصبح تنبأ بما لايمكن تصوره بسهولة، ولهذا نجدها تنبهنا الى نقطة الحسم في كونها لاتاتي برؤاها من فراغ وانها تتحمل مسؤولية ما تقوله فعبثها بالفيض لاياتي اعتباطيا انما من قناعتها وادراكها بالموجودات والمؤثرات التي تفيض عليها من كل صوب فتجعلها تارة تعيش وقع الحلم المجهض وتارة وقع الحلم المتمرد على الواقع والباحث عن بداية جديدة، وتارة اخرى عن الحلم الذي يكاد يتم وأده دون ان يحفظ للفجر من مساحة، فتأتي التقاطاتها الشعرية موحية بتفنن ووعي لتضفي على الايقاع الجواني حتمية التمازج بينه وبين البراني، وهذا ما يجعلها في كل مرة تصل الى هذا اليأس ان تتخذ من الطفولة ممرا لفتح ممرات جديد على الرغم من توارثها للسواد..

سماء البارحة هي نفسها

سوداء جدا في حدقة طفل

وعصفور بريش منخك

تلك هي الصورة التي باتت تؤرق روحها وامانيها وكل موجوداتها ، فالزمنية هنا ليست محددة بقدر ما هي امتداد منغرس في الوقت نفسه، حيث توق الشاعرة الى حياة جديدة غير التي كانت وآلت اليه الامور في حاضرها تجبرها على الانقياد لميلادات جديدة والطفولة هي التي ترمز لتلك الامتدادات المتجددة في رؤاها والتي تحاول ان تخرج من يأسها ووقع البراني عليها، حتى وان كانت ستتخذ مسارات غريبة لكنها في الاصل مسارات تعطي انفراجاً وحرية وحياة اخرى..

هذا الذي يتوسط بين ارض تكتمل بعشاقها

والمشهد الضيق بصرخة في اتجاه التوابيت الوردية

تلك هي المساحات التي تريد الشاعرة ان تخلقها في انصهارها الذاتي الشعري هنا، حيث الاتحاد والحلول بالتراب الذي يضم تحت انقاضه رفات ارواح من ارادوا للواقع وردياً لمن يأتوا من بعدهم دون ان يكون الدم والسواد هما ما يلونان الواقع، وبهذا تنتقل الالوان في مخيلة الشاعرة الى محاكاة الواقع" الوطن" و "الانسان"  الى لغة الروح بكل ما تتناوبها من اتكاءات المشاعر على حركة النفس التي تريد ان تتشكل من خلال الوانها ما يسجد رؤيتها وانفعالاتها وتوحدها بترابها وانسان وطنها على الرغم من ما في توظيفاتها اللونية من علامات تزخر بدلائل حياة مقهورة.

  

جوتيار تمر


- See more at: http://www.alnoor.se/article.asp?id=235721#sthash.NF7myXgw.dpuf

اعتصرت الرؤية الاجهاضية التي تبنتها الشاعرة ضحى من خلال تماسها المباشر مع الواقع البراني الذي تمثل في هزات وعواصف ضربت شواطئ وطنها، فكانت الصبغة الانتمائية طاغية على نصوصها، وكان النفور من ما آلت اليه الاوضاع بمثابة جرح مزمن اصيب به روح الشاعرة، لاسيما انها عاشت مخاض التغيير والثورة التي ارادها الجميع نقطة انطلاق نحو افاق ابعد مما كانت عليه، وكأن الثورة القت بظلالها ومآسيها على روح الشاعرة فجرفتها الى مخاضاتها الموجعة،  وقد ظهرت تلك المخاضات من البدء حيث العنوان " صفقة مع الريح" وكأن مديات الواقع وتمفصلاته قد اوقعت شاعرتنا في حالة من الشك بما ستؤول اليه الاوضاع في وطنها بعدما تلاشى الامان وانتشر الموت المجاني في الشوارع، وتداخلت مضامين الساسة وطموحاتهم مع الحياة الاجتماعية البسيطة التي ارادها الناس بعد ثورتهم فاصبح لسان الحال يقول لقد عقدنا صفقة الحرية مع الريح، لذا نلامس هذا التفاعل الحي والوجداني والعقلي بين الذات الشاعرة وبين الاحداث البرانية، والتي تجلت في صور شعرية ماتعة ورؤى بلاغية ابدعت شاعرتنا في رسمها بالكلمات، ومع تلك المخاضات المتنوعة ظهر اللون كركيزة في الديوان بحيث وجدنا بانه قلما كتبت الشاعرة نصاً في ديوانها دون التطرق الى ماهية لون ما، او حتى الايحاء باللونية سواء كمدلول ايحائي او قصدي، ومن خلال هذه الدراسة النقدية سنحاول التوقف على مصاف اللونية في قصائد شاعرتنا:

لقد ارتكز المعجم اللوني  في ديوان صفقة مع الريح على التعددية اللونية التي يمكن رصد بعض ملامحها ضمن اطارين الاول يعتمد على القصدية كالسواد حيث ورد مرتين، والبياض اربع مرات، كما ورد كل من الاحمر والوردي والاخضر مرة واحدة، وورد النرجسي والفضي مرتين، والثاني الايحائية لاسيما في توظيف لفظة لون التي وردت في  عشر تشكيلات دلالية، بصيغ مختلفة مفردة وجامعة ومقترنة بلونية محددة كالبني والرمادي وبصيغ تشبيهية ايضاً، كما ان لفظة الحبر وردت بشكل واضح في نصوص ضحى وهي اشارة استدلالية يمكن التكهن باحتمالية لونية في بعض مضامينه اذا ما اسقطنا اللفظة على ماهية الكتابة التي وردت بها في اغلب الاحيان الا اننا سنكتفي بذكرها هنا دون البحث في ماوراء استخدامتها، واجمالا اتت اللونية  بدلالات قصدية وايحائية ضمن منظومة مركزة اعتمدت عليها الشاعرة لاغراض شعرية وتشكيلية مختلفة، حيث  يذهب د. دريد يحيى الخواجة الى "ان اللون في القصيدة لاياتي محايداً بل يكون نتيجة احساس في سياق النص، ودلالة ما لها تأثيرها العمق في حملة تجليات النص الخفية، كما انه يعتبر علامة في سياق التعبير الشعري نستكشف دوره في وحدة النص المركزية، وفي تفريعاته التي يردها الى بنية ارتباطاتها في تشكيل النص"،  وهذا ما نلمسه في توظيفات شاعرتنا للالوان بصورة عامة، فضلاً عن ذلك فان الالوان اتت كحراك موازي للذات الشاعرة ورؤاها التي تناسلت ونمت من واقعها سواء على المستوى الانتمائي ام الذاتي الشخصي، وفي كلا المستويين نلامس حراكاً موازيا لاستخدامات اللون بحيث تحقق رؤيتها دون ان تخرج النص من سياقه ونسقه الشعري الحداثي، وهذا ما يجعلنا نعي بان توظيف اللون في مثل هذه السياقات تعني على الارجح رسم صورة نصية مؤثرة. مثلما فعلت في اغلب نصوصها:

يتعبني البياض...تتعبني قبلة عاشق

 واغنية اخر الليل

فهذه الصورة المتجلية التي تعاكس المضمون الظاهري للرؤيا البصرية، باعتبار ان البياض دائما له تأثيره الايجابي والموحي بالسلام والامان، او حتى في الاستسلام، فانه هنا يؤدي دوره التضادي وببصيرة ووعي تام بموجبات المغايرة، لاسيما ان شاعرتنا تعمدت على ان يسبق الفعل المؤثر " يتعبني"  على البياض مما يوحي بعمق الهوة التي تعيشها الذات الشاعرة بحيث اصبح البياض كلون مؤثر بايجابية على الروح والنفس هنا لونا يشير على تعاسة الواقع البراني وصعوبته واحالة البياض الى لون منهك ومتعب على المستوى الدلالي الانتمائي والوجداني معاً وهذا ما يتضح لنا بصورة واضحة من خلال الحراك اللوني ذا التشعب التوظيفي والتشكيلي معاً، فالواقع المغاير الذي حول البياض الى ارهاق وتعب هو نفسه الذي يجعل من الذات تعيش الغربة والوحدة في حالتها الوجدانية، وهذا ما تؤكده الشاعرة في موضع اخر من ديوانها، حيث تبقي البياض ضمن دائرة التعب، والوحشة، والفتنة:

من متعب الى عاشق

يتقاذفه الاشتياق

وماء القلب المخضب بالوحشة والبياض

وهذيان الهواء و الفتنة

هذه التوهيمات البلاغية الدلالية التصويرية الفائقة تجعلنا نعيش واقع البياض الذي تصوره لنا الشاعرة بدقة وحرفية، على اننا نلامس في الصورة الثانية اكثر توحشاً واكثر جدلية في الاخذ بالبياض كلون محرك لتلك الرؤى التي تنادي وتؤمن بها شاعرتنا، فالوجدانية ان سبقت هنا اللونية الا انها كانت المدخل لتعطينا الصورة الاكثر تماساً مع الواقع التي تعيشه، حيث الفتنة التي الحقت الدمار بكل ما هو جميل من حولها جعلتها تضع البياض في خانة الالوان التي لم تعد تؤدي دورها في حياتها ورؤيتها، على الرغم من كونها حاولت ان تفتح للبياض فسحة وممراً للعودة في نص اخر، الا انها فسحة احتمالية تنتظر جيلاً اخراً يأتي ليدفن مخاضات البياض الذي لبس رداء الفتنة، فيعيش بروح الطفولة معبراً عن كينونته:

طفلة تلون الغابة ببياض اللهو

تختصر فيها صوفية العشق

وعلى هذا الاساس تنتظر الشاعرة ا ن ياتي جيل اخر " طفلة" لتلون الغابة ، الواقع المتحول الى خراب فتعيد بلهوها البريء العشق المفقود بروحية التصوف، أي الوحدة والاتحاد من جديد، وهذه الصورة بحد ذاتها تعطينا يقيناً بان الشاعرة لم تقع في اليأس المطلق انما لم تزل تعيش وقع امل ربما ليس بقريب ولكنه ليس بمستحيل، ولا يهم ان كان حلماً في الاساس لانه سيحمل في الاول والاخير لوناً ما يغير معالم الموجود، ولهذا نجدنا في نصوص كثيرة نعيش وقع اللونية بصورة مغايرة تماماً بحيث لاتعطينا الشاعرة لوناً  معرفياً محدداً الا من خلال السياق العام للفظة اللون نفسه، ولكنها في الاغلب مرهونة بحلم آت واخر مدفون او على وشك الدفن:

يمضي حلم

والجسد يزداد سوء في لون الغيوم

حلم يجيء يراق في دمه طفلة...

الحلمية هنا ليست توليفة وهمية، انما هي ارتباطية حسية ادراكية لمحركات الواقع والاحساس الداخلي للذات الشاعرة، فالحلم ان ظل في مساره سائراً، فانه قد يكون بلون ماء، وليس مستحيلاً ان يلبس لون الغيوم، وهذه الغيوم هي المحرك والفيصل في تحديد سياق اللون نفسه، لكون الغيوم عادة ماتكون سوداء، وفي سوداها احتمالية اخرى تفوق اللون نفسه باعتبارها تكون بردائها هذا ماطرة، ولهذا نجد الحلم يلبس الجسد والجسد يلبس لون الغيوم فتحرك مساحة الحلم لتراق في النهاية " طفلة" هذه المعادلة الصعبة في كل مستواياتها تتخذ من معبر لفظة اللون احتمالية مغايرة عن تلازمية اللون الاسود للغيوم، حتى ان الشاعرة نفسها تأتينا بصورة اخرى تعقب الامطار فتجعله مدخل للتمازج بين ماهية الامطار وماهية اللون البني" الترابي" هنا:

تتناوب عليه الامطار

ويغيب اللون البني وصغار الجن....

التعاقب الذي اولدته الشاعرة هنا، الامطار، اللون البني، صغار الجن، هو في تشكيله الظاهر يوحي بصورة مختصرة لوجودية الكائن الانساني، فاذا ماء جعلنا الصورة الرامزة هنا تحكي بمنطق ووعي سنجد بان الماء والتراب والحياة كعناصر اساسية للتكوين تراكمت معا لاينقصها الا النار ليصبح المشهد متكاملا لاسيما وانه مرهون بجذع النخلة  في قصيدة " مريم"   أي في الصورة الاساسية التي تأسست منها اشكالية التناوب، لهذا السبب ان الصورة التي تثبت اللونية هنا بتلازمية البني هو الاصل الترابي الذي توشك الشاعرة ان تعطيه شكل مغاير لكونه اصبح مرهوناً بمترتبات لاثبات لها على الرغم من تاريخيتها وعمقها في الوجود ...

منذ خطيئة في باطن حدقتي

وانا الهو بلون يثير شهيتي للغناء

حين نحدد جغرافية الوجود نعيدها في بعض الميثولوجيات الى الخطيئة، لكن هنا حتى لايكون الالتباس ممكنا نستقطع اداة التعريف عنها" خطيئة" لنوظفها ضمن اطارها الجغرافي المحدود جداً ف " حدقتي" لاتعطي احتمالات كثيرة خارجة عن نطاق الذات الشاعرة، لاسيما انها تلحقها ب" انا" حيث لامجال للتفكير خارج هذا الاطار المحدد، لكن هذا في الوقت نفسه لايعطي انطباعاً بامكانية التأويل الواحد لماهية " خطيئة" بل تعطينا مساحات تخيل غير محددة يمكن ان تتضمن خطيئة وجدانية او خطيئة انتمائية بالاخص ان الثانية هنا توشك ان تغطي اغلب المسامات الوجدانية والفكرية داخل الديوان فالانتماء له الاولوية في توظيفات شاعرتنا حتى وان كانت قد اتسمت بالكثير من الالم، ولعلي اغاير الصورة الظاهرة لشهية الغناء هنا باعتباره غناء من الصدمة الممهدة لتأويلات عميقة مرتبطة بصميم الحراك الشعري والشعوري:

الليل يرغمنا على التأويل

والالوان تتسع في القصيد وحلم الفقراء

هذا مانسميه قيمة الصورة الرامزة النابعة من الاحتمالية اللونية التي توظفها الشاعرة في ديوانها المبني اصلا على اساس توهيمي بلاغي تشكيلي، او بالاحرى امكانية طرح الافتراضية التي تحيل سيمائية اللون الى رمز له فاعليته الخاصة في بنية القصيدة ومسارها البلاغي التشكيلي، فبمجرد تأمل المشهد الليل المقترن بالتأويل ندرك وقتها ان الحالة تتخذ مساراً مغايراً ، لهذا تاتي لفظة" الالوان" هنا بدون قصدية تحديدية انما شمولية ايحائية تخترق بنية القصيدة ولاتقف عند حدودها الظاهرية بل تتعداها الى حلم الفقراء باعتبارهم هنا هم اساس الفعل الحدثي المقترن بتأويلية الليل، والمحرك للذات الشاعرة لرصد الحراك البراني المتيقن بما تؤول اليه الحالة نفسها طالما انها اقترنت بحلم الفقراء، وهذا بالتالي ما يحرك فيها دمها بدهشة من لم تتوقع ان تصبح الامور بهذا الشاكلة المغايرة للتصور...

يفيض دمي الملون بالدهشة

افتح للماء الناعم ذاكرة اخرى

عامل الدهشة هو المحرك الفعال في صيرورة " يفيض" لكون مترتبات السابق تعطي مساحات ممتلئة يمكن من خلالها ادارك ماهية " تفيض" بل احيانا توجبها لكمها الهائل، لكن ما يخلق الدهشة هو كون الدم اقترن هنا بلونية مستحدثة في تعبير عن كون ما يجري لاينتمي اليه، وهذا ما احال الذات الشاعرة الى توظيف الدهشة كمقترن استدلالي للونية الدم نفسه، فضلاً عن استحداث قرين اخر ينتمي الى الدم في تكوينه "الماء" وبنعت يبعث هو الاخر الى الدهشة " الناعم" باعتبار ان الماء لاينعت كما انه لاينتمي الى لونية اثباتية، لكن تلك التوظيفات اجمالاً اتت لتؤثث لعوالم ارداتنا الشاعرة ان نقيسها وفق معايير البراني المستحدث اصلا في فعله المؤثر بحيث يصبح الواقع غير الذي تم انتظاره، ولذلك تنشط الذاكرة فتصطدم بالموجود، مما يحيلها الى اللجوء بخلق ذاكرة اخرى غير التي امتئلت بتلك الصور، ولاج لان تفعل ذلك عليها ان تستند الى العاطفة هنا لايجاد معبر آمن لرؤاها وروحها ....

جربت ان ارتدي لون يديك

واتقاسم معك الخطوات حين تبتعد عنا الارض

هذه التوهيمة الصوفية هي قمة التأثر بالواقع البراني وقمة التأثر بمترتبات الحدث العام الذي اعطت صورة مغايرة تماما لما كانت الذات الشاعرة تنتظره،  فاضطرت الى خلق ذاكرة تعيد بعض الصور المعلقة في اللاوعي والتي اصلا كانت تنتظر استفاقة من الوعي لتكون جاهزة في اداء دورها الوجداني الانتمائي معاً، وهذه الصور وان اتت مغايرة للنسق العام للحراك التوظيفي اللوني السابق الا انها استكمال طبيعي للصيرورة الذاكراتية لدى الذات الشاعرة، وهي لاتتوقف بمجرد وصف الحالة المتاحة والفعالة آنياً انما هي استمرار لفعل كائن مؤثر على روحية الشاعرة وتنتظر من الواقع صورة تبعدها عن مترتبات الصفقة التي لم تكسب الروح الامان..

يسقط غصنك المنحني فوق غيم خفيف

يطفو من مخيلة ليلتك لون الروح الرمادي

فعل الاسقاط ليس بتعبير مجاني عبثي استخدمته الشاعرة لرسم ملامح شيء محدد، انما هي استعارة تبعث الدهشة المستكملة للدم الملون بالدهشة، فارتابط "يسقط" ب" غيم" ومن ثم ب " لون الروح الرمادي" تجعلنا نعيش وقع الرؤية بتجليات متباينة في احداثياتها التشكيلية واستنباطاتها التأويلية باعتبارها تثير تعددية تأويلية واضحة من حيث التناغم البنيوي للغة والرؤية معاً، وهي في الاصل اتت مكملة لاسقاطات لونية اخرى سابقة ولاحقة وظفتها الشاعرة لايصال الصورة بتقنية الدهشة التي اعتمدتها في جذب مكونات الصورة نفسها، على اعتبار ان رمادية الروح هنا ليست بامر طارئ انما هي امتداد للحراك السلبي البراني الذي اثر في كينونة الروح واخرجتها حتىذاكرتها الاخرى التي استعانت بها، ولهذا نجد بان الشاعرة تعيد رسم الصورة باللون الرمادي لكن هذه المرة تعيره للدم  " لم اكن قريبة مني لكن خفقة الدم خلف اللون الرمادي ،، تزيح الحلم في منتصف النعاس .."  وبتضاد مع الروح الصوفية التي حاولت قبل الان ان تلجأ اليها باعبتار ان الذاكرة الاخرى ايضا لم تستطع ان تستوعب مرتبات الواقع البراني فادخلت الروح في معترك الانفصام مع كينونتها ودمها واحلامها، وفي محاولة جادة من الذات الشاعرة ان تستوعب الموقف الاجمالي حاولت ان تستعين بصورة رامزة مؤثرة في بنية القصيدة ومعبرة عن الانتمائية المغايرة للصورة الظاهرة " الكف المرفوع كلون الشمس ..." هذا الكف يمكن تخيله يراود مقبض الباب بصورة مغايرة بعيدا عن التجسد السطحي، حيث يمكن ان تحيلنا الى ذلك الكف التي تريد تغيير الواقع دون ان تلجأ مضطرة الى مغادرة جغرافيتها، وهي بذلك تؤثث لون الشمس كمدخل استعلائي لتلك الكف المطالبة بحق وجودها وحق الابقاء على محصلات الفكر القائم من اجل تغيير الواقع وليس من اجل صور وهمية تحاول طفلة ما ان تغير ملامحها بلهوها البريء وهي في الاصل تلهو في الغابة، وهذا ما جعلت الشاعرة تدخل معترك التساؤلات لتخرج من تجويفاتها الحلمية المنغلقة على اثارة اللونية كمنطلق اساس للتصوير والسؤال وفجر اخر..

من وضح الحلم اكتبه واراهن الحياة بصورة وسؤال

ثم ادخل الصحو بالوان تستكمل بهاء الفجر

يقدم لنا هذه الصورة في سيمائية اللون شيئاً مختلفا من حيث الاسيقة الشعرية السابقة باعتباره هنا يمنطق تلك المسارات من اجل استحداث نمط وجودي اخر، لهذا نلامس فيه اختلاق صحوة فعلية في التشكيلات البلاغية  للفظة " اللون " التي اعتمدتها الشاعرة بحيث اصبحت هنا اكثر نضجا من حيث الفكرة التي اراها تتكئ على ما تثار من احتمالات المعنى وتنسج علاقات منتظرة، في كينوتها وهذا ما يمكن ملامسته من تغير البنية اللغوية في توضيحاتها الدلالية الموظفة ضمن الاطار الحلمي، فمن احلام مسكونة بتعبية الواقع نجدها تنطلق من الحلم نفسه لايصال رؤاها المتقدة والتي تبدأ بالكتابة كايحاء بالبدء او بداية جديدة، ومراهنة الحياة من حلال معتركه الاكثر ايحاءً التصوير والتساؤال وكل هذا من اجل اثبات الرؤية التي تستحق المحاولة بنظر الشاعرة والتي من خلال تدخل الصحو بالوان اخرى غير التي سبقت وان اجهضت امانيها بواقع مغاير وجديد لاسيما بعد الصفقة الاكبر في تاريخها، صحو فيه فجر مكتمل،، وعلى الرغم من ان الشاعرة نفسها تعي صعوبة الامر الا انها اغتنمت تلك الصحوة في ذاتها لتعبر عنها بشفافية لونية واضحة وذلك لكون ان قلبها لم يزل محملاً بالكثير من الاماني..

وكان قلبي يحمل خضرة قميصي وحرية العبارة..

تلك هي النقطة التي تنطلق منها عبارتها المحملة بالكثير من الاماني  علها ترسو على شواطئ الحرية المنشودة والتي من اجلها كانت الصفقة الاهم في تاريخ وجودها، ولذلك نجدها تغاير النسق العام لاستخداماتها اللونية فتأتي هنا ب" خضرة" كمدلول واضح لاهمية الترابط الزمكاني في نصوصها الناقلة لواقع الانتمائي من جهة، ولتصوراتها لذلك الواقع بعد التغيير من جهة اخرى، والاعتمالات التي تريد ان تؤثث عوالمها القصية كمدخل مغاير لما كان ولما هو الان، فلتجأ الشاعرة من اجل تفعيل تلك الرؤى الى محددات لونية واضحة ومسميات اقترانية تفيض الاحتمالية مثلما نجدها في هذه الايقونة" هنا نرجسة تحت سماء تحوم في فضاء لايرى" و في " تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة.." وفي " نشتهي الفاكهة في الجمر .. نعبر النرجس الشبقي.."، نجد في هذه الالتقاطات سواء من حيث تكرار اللون او تلازميتها لمقترنات ذات دلالات انتمائية واخرى وجدانية صوفية، علاقة متينة بالصياغة التي قد لاتلتزم بالتوجه الى توظيف الدلالات اللونية مباشرة بل تعمل على صياغتها وفق معطيات متداخلة يحفز وتنشط الكشف والتحليل، وبلاشك يعد هذا من احدى مرتكزات النص الشعري الحداثي الذي يحتفي بالمغايرة في اسستثمار اللونية وجمالياتها في تشكيل النص وفي  مكوناته، فلكل من " الفضة" و"نرجسة" سياقاتها المحددة ضمن اجمالي النسق الشعري النصيي الحداثي هنا، مما يحيلنا بالتالي الى استقدامات تلازمية اخرى يمكن من خلالها صياغة الرؤيا الاجمالية لهذه الالتقاطات اللونية ذمن مسمياتها وجغرافيتها، وعلى هذا الاساس يلزمنا تتبع خطاها لمعرفة منطقها المخصوص لاسيما انها تكررت في مواضع اخرى بدلالات وصور يستنبط منها توحشاً كما في" وهم يقتسمون حلمك..يفتحون قميصك الفضي للريح..." فهذه الصورة المتوحشة والتي تنقل بجدلية واضحة الواقع العياني الذي بات يعيشه الانسان في وطنها يجعلنا نعيش وقع قولها تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة من قبل، وهي الصورة المتوحشة نفسها التي جعلت منها تقحم وربما لاول مرة الاحمر في مقتضيات رؤيتها حين تقول " يتمدد في العراء كذئب... ثم يختض.. يحمر ويغدو قبيلة بين جمر وحصى..." ان هذه الرؤية المتوحشة التي تعطي  صورة الواقع الانساني في وطنها تبهر وتثير الدهشة فهذه التراكيب قلما تجتمع في نص ابداعي حداثي لكونها تراكيب يمكن ان توظف ضمن سياقات تضادية مغايرة في بناها الشعرية القصدية منها والايحائية، ولكن الشاعرة وبثقة وظفتها لتعطينا موقفها من جهة، وتصويرها للواقع من جهة اخرى، وتنبأها للمستقبل كرؤية مستقلة باعثة على التأمل فهذا التناسل الذئبي لاياتي  لينثر عبق الورد في الواقع انما سيخلق ممرات ومساحات دم لانهاية لها..وعلى ايقاع الدم يختمر رؤاها لتحول الحلم المجهض في البداية والباحث عن انتفاضة في وقت ما الى الالتجاء للسواد كمعبر عن هويته الجديدة..

كنت وحدي اعبث بالفيض

انسخ الفجر على لوح الحلم...واذرع السواد

كنت اصبغ الليل بخلوته..

تنوعت سياقات اللون في نصوص شاعرتنا حتى انها اعتمدت الكثير من الاعتمالات بشقيها الاملية واليأسية الا انها اجمالا انتهجت التعبير عن مكنونها الذاتي الشخصي وموقفها تجاه البراني " الوطن" ضمن نسق متصاعد، حتى اصبح تنبأ بما لايمكن تصوره بسهولة، ولهذا نجدها تنبهنا الى نقطة الحسم في كونها لاتاتي برؤاها من فراغ وانها تتحمل مسؤولية ما تقوله فعبثها بالفيض لاياتي اعتباطيا انما من قناعتها وادراكها بالموجودات والمؤثرات التي تفيض عليها من كل صوب فتجعلها تارة تعيش وقع الحلم المجهض وتارة وقع الحلم المتمرد على الواقع والباحث عن بداية جديدة، وتارة اخرى عن الحلم الذي يكاد يتم وأده دون ان يحفظ للفجر من مساحة، فتأتي التقاطاتها الشعرية موحية بتفنن ووعي لتضفي على الايقاع الجواني حتمية التمازج بينه وبين البراني، وهذا ما يجعلها في كل مرة تصل الى هذا اليأس ان تتخذ من الطفولة ممرا لفتح ممرات جديد على الرغم من توارثها للسواد..

سماء البارحة هي نفسها

سوداء جدا في حدقة طفل

وعصفور بريش منخك

تلك هي الصورة التي باتت تؤرق روحها وامانيها وكل موجوداتها ، فالزمنية هنا ليست محددة بقدر ما هي امتداد منغرس في الوقت نفسه، حيث توق الشاعرة الى حياة جديدة غير التي كانت وآلت اليه الامور في حاضرها تجبرها على الانقياد لميلادات جديدة والطفولة هي التي ترمز لتلك الامتدادات المتجددة في رؤاها والتي تحاول ان تخرج من يأسها ووقع البراني عليها، حتى وان كانت ستتخذ مسارات غريبة لكنها في الاصل مسارات تعطي انفراجاً وحرية وحياة اخرى..

هذا الذي يتوسط بين ارض تكتمل بعشاقها

والمشهد الضيق بصرخة في اتجاه التوابيت الوردية

تلك هي المساحات التي تريد الشاعرة ان تخلقها في انصهارها الذاتي الشعري هنا، حيث الاتحاد والحلول بالتراب الذي يضم تحت انقاضه رفات ارواح من ارادوا للواقع وردياً لمن يأتوا من بعدهم دون ان يكون الدم والسواد هما ما يلونان الواقع، وبهذا تنتقل الالوان في مخيلة الشاعرة الى محاكاة الواقع" الوطن" و "الانسان"  الى لغة الروح بكل ما تتناوبها من اتكاءات المشاعر على حركة النفس التي تريد ان تتشكل من خلال الوانها ما يسجد رؤيتها وانفعالاتها وتوحدها بترابها وانسان وطنها على الرغم من ما في توظيفاتها اللونية من علامات تزخر بدلائل حياة مقهورة.

  

جوتيار تمر


- See more at: http://www.alnoor.se/article.asp?id=235721#sthash.NF7myXgw.dpuf 

اعتصرت الرؤية الاجهاضية التي تبنتها الشاعرة ضحى من خلال تماسها المباشر مع الواقع البراني الذي تمثل في هزات وعواصف ضربت شواطئ وطنها، فكانت الصبغة الانتمائية طاغية على نصوصها، وكان النفور من ما آلت اليه الاوضاع بمثابة جرح مزمن اصيب به روح الشاعرة، لاسيما انها عاشت مخاض التغيير والثورة التي ارادها الجميع نقطة انطلاق نحو افاق ابعد مما كانت عليه، وكأن الثورة القت بظلالها ومآسيها على روح الشاعرة فجرفتها الى مخاضاتها الموجعة،  وقد ظهرت تلك المخاضات من البدء حيث العنوان " صفقة مع الريح" وكأن مديات الواقع وتمفصلاته قد اوقعت شاعرتنا في حالة من الشك بما ستؤول اليه الاوضاع في وطنها بعدما تلاشى الامان وانتشر الموت المجاني في الشوارع، وتداخلت مضامين الساسة وطموحاتهم مع الحياة الاجتماعية البسيطة التي ارادها الناس بعد ثورتهم فاصبح لسان الحال يقول لقد عقدنا صفقة الحرية مع الريح، لذا نلامس هذا التفاعل الحي والوجداني والعقلي بين الذات الشاعرة وبين الاحداث البرانية، والتي تجلت في صور شعرية ماتعة ورؤى بلاغية ابدعت شاعرتنا في رسمها بالكلمات، ومع تلك المخاضات المتنوعة ظهر اللون كركيزة في الديوان بحيث وجدنا بانه قلما كتبت الشاعرة نصاً في ديوانها دون التطرق الى ماهية لون ما، او حتى الايحاء باللونية سواء كمدلول ايحائي او قصدي، ومن خلال هذه الدراسة النقدية سنحاول التوقف على مصاف اللونية في قصائد شاعرتنا:

لقد ارتكز المعجم اللوني  في ديوان صفقة مع الريح على التعددية اللونية التي يمكن رصد بعض ملامحها ضمن اطارين الاول يعتمد على القصدية كالسواد حيث ورد مرتين، والبياض اربع مرات، كما ورد كل من الاحمر والوردي والاخضر مرة واحدة، وورد النرجسي والفضي مرتين، والثاني الايحائية لاسيما في توظيف لفظة لون التي وردت في  عشر تشكيلات دلالية، بصيغ مختلفة مفردة وجامعة ومقترنة بلونية محددة كالبني والرمادي وبصيغ تشبيهية ايضاً، كما ان لفظة الحبر وردت بشكل واضح في نصوص ضحى وهي اشارة استدلالية يمكن التكهن باحتمالية لونية في بعض مضامينه اذا ما اسقطنا اللفظة على ماهية الكتابة التي وردت بها في اغلب الاحيان الا اننا سنكتفي بذكرها هنا دون البحث في ماوراء استخدامتها، واجمالا اتت اللونية  بدلالات قصدية وايحائية ضمن منظومة مركزة اعتمدت عليها الشاعرة لاغراض شعرية وتشكيلية مختلفة، حيث  يذهب د. دريد يحيى الخواجة الى "ان اللون في القصيدة لاياتي محايداً بل يكون نتيجة احساس في سياق النص، ودلالة ما لها تأثيرها العمق في حملة تجليات النص الخفية، كما انه يعتبر علامة في سياق التعبير الشعري نستكشف دوره في وحدة النص المركزية، وفي تفريعاته التي يردها الى بنية ارتباطاتها في تشكيل النص"،  وهذا ما نلمسه في توظيفات شاعرتنا للالوان بصورة عامة، فضلاً عن ذلك فان الالوان اتت كحراك موازي للذات الشاعرة ورؤاها التي تناسلت ونمت من واقعها سواء على المستوى الانتمائي ام الذاتي الشخصي، وفي كلا المستويين نلامس حراكاً موازيا لاستخدامات اللون بحيث تحقق رؤيتها دون ان تخرج النص من سياقه ونسقه الشعري الحداثي، وهذا ما يجعلنا نعي بان توظيف اللون في مثل هذه السياقات تعني على الارجح رسم صورة نصية مؤثرة. مثلما فعلت في اغلب نصوصها:

يتعبني البياض...تتعبني قبلة عاشق

 واغنية اخر الليل

فهذه الصورة المتجلية التي تعاكس المضمون الظاهري للرؤيا البصرية، باعتبار ان البياض دائما له تأثيره الايجابي والموحي بالسلام والامان، او حتى في الاستسلام، فانه هنا يؤدي دوره التضادي وببصيرة ووعي تام بموجبات المغايرة، لاسيما ان شاعرتنا تعمدت على ان يسبق الفعل المؤثر " يتعبني"  على البياض مما يوحي بعمق الهوة التي تعيشها الذات الشاعرة بحيث اصبح البياض كلون مؤثر بايجابية على الروح والنفس هنا لونا يشير على تعاسة الواقع البراني وصعوبته واحالة البياض الى لون منهك ومتعب على المستوى الدلالي الانتمائي والوجداني معاً وهذا ما يتضح لنا بصورة واضحة من خلال الحراك اللوني ذا التشعب التوظيفي والتشكيلي معاً، فالواقع المغاير الذي حول البياض الى ارهاق وتعب هو نفسه الذي يجعل من الذات تعيش الغربة والوحدة في حالتها الوجدانية، وهذا ما تؤكده الشاعرة في موضع اخر من ديوانها، حيث تبقي البياض ضمن دائرة التعب، والوحشة، والفتنة:

من متعب الى عاشق

يتقاذفه الاشتياق

وماء القلب المخضب بالوحشة والبياض

وهذيان الهواء و الفتنة

هذه التوهيمات البلاغية الدلالية التصويرية الفائقة تجعلنا نعيش واقع البياض الذي تصوره لنا الشاعرة بدقة وحرفية، على اننا نلامس في الصورة الثانية اكثر توحشاً واكثر جدلية في الاخذ بالبياض كلون محرك لتلك الرؤى التي تنادي وتؤمن بها شاعرتنا، فالوجدانية ان سبقت هنا اللونية الا انها كانت المدخل لتعطينا الصورة الاكثر تماساً مع الواقع التي تعيشه، حيث الفتنة التي الحقت الدمار بكل ما هو جميل من حولها جعلتها تضع البياض في خانة الالوان التي لم تعد تؤدي دورها في حياتها ورؤيتها، على الرغم من كونها حاولت ان تفتح للبياض فسحة وممراً للعودة في نص اخر، الا انها فسحة احتمالية تنتظر جيلاً اخراً يأتي ليدفن مخاضات البياض الذي لبس رداء الفتنة، فيعيش بروح الطفولة معبراً عن كينونته:

طفلة تلون الغابة ببياض اللهو

تختصر فيها صوفية العشق

وعلى هذا الاساس تنتظر الشاعرة ا ن ياتي جيل اخر " طفلة" لتلون الغابة ، الواقع المتحول الى خراب فتعيد بلهوها البريء العشق المفقود بروحية التصوف، أي الوحدة والاتحاد من جديد، وهذه الصورة بحد ذاتها تعطينا يقيناً بان الشاعرة لم تقع في اليأس المطلق انما لم تزل تعيش وقع امل ربما ليس بقريب ولكنه ليس بمستحيل، ولا يهم ان كان حلماً في الاساس لانه سيحمل في الاول والاخير لوناً ما يغير معالم الموجود، ولهذا نجدنا في نصوص كثيرة نعيش وقع اللونية بصورة مغايرة تماماً بحيث لاتعطينا الشاعرة لوناً  معرفياً محدداً الا من خلال السياق العام للفظة اللون نفسه، ولكنها في الاغلب مرهونة بحلم آت واخر مدفون او على وشك الدفن:

يمضي حلم

والجسد يزداد سوء في لون الغيوم

حلم يجيء يراق في دمه طفلة...

الحلمية هنا ليست توليفة وهمية، انما هي ارتباطية حسية ادراكية لمحركات الواقع والاحساس الداخلي للذات الشاعرة، فالحلم ان ظل في مساره سائراً، فانه قد يكون بلون ماء، وليس مستحيلاً ان يلبس لون الغيوم، وهذه الغيوم هي المحرك والفيصل في تحديد سياق اللون نفسه، لكون الغيوم عادة ماتكون سوداء، وفي سوداها احتمالية اخرى تفوق اللون نفسه باعتبارها تكون بردائها هذا ماطرة، ولهذا نجد الحلم يلبس الجسد والجسد يلبس لون الغيوم فتحرك مساحة الحلم لتراق في النهاية " طفلة" هذه المعادلة الصعبة في كل مستواياتها تتخذ من معبر لفظة اللون احتمالية مغايرة عن تلازمية اللون الاسود للغيوم، حتى ان الشاعرة نفسها تأتينا بصورة اخرى تعقب الامطار فتجعله مدخل للتمازج بين ماهية الامطار وماهية اللون البني" الترابي" هنا:

تتناوب عليه الامطار

ويغيب اللون البني وصغار الجن....

التعاقب الذي اولدته الشاعرة هنا، الامطار، اللون البني، صغار الجن، هو في تشكيله الظاهر يوحي بصورة مختصرة لوجودية الكائن الانساني، فاذا ماء جعلنا الصورة الرامزة هنا تحكي بمنطق ووعي سنجد بان الماء والتراب والحياة كعناصر اساسية للتكوين تراكمت معا لاينقصها الا النار ليصبح المشهد متكاملا لاسيما وانه مرهون بجذع النخلة  في قصيدة " مريم"   أي في الصورة الاساسية التي تأسست منها اشكالية التناوب، لهذا السبب ان الصورة التي تثبت اللونية هنا بتلازمية البني هو الاصل الترابي الذي توشك الشاعرة ان تعطيه شكل مغاير لكونه اصبح مرهوناً بمترتبات لاثبات لها على الرغم من تاريخيتها وعمقها في الوجود ...

منذ خطيئة في باطن حدقتي

وانا الهو بلون يثير شهيتي للغناء

حين نحدد جغرافية الوجود نعيدها في بعض الميثولوجيات الى الخطيئة، لكن هنا حتى لايكون الالتباس ممكنا نستقطع اداة التعريف عنها" خطيئة" لنوظفها ضمن اطارها الجغرافي المحدود جداً ف " حدقتي" لاتعطي احتمالات كثيرة خارجة عن نطاق الذات الشاعرة، لاسيما انها تلحقها ب" انا" حيث لامجال للتفكير خارج هذا الاطار المحدد، لكن هذا في الوقت نفسه لايعطي انطباعاً بامكانية التأويل الواحد لماهية " خطيئة" بل تعطينا مساحات تخيل غير محددة يمكن ان تتضمن خطيئة وجدانية او خطيئة انتمائية بالاخص ان الثانية هنا توشك ان تغطي اغلب المسامات الوجدانية والفكرية داخل الديوان فالانتماء له الاولوية في توظيفات شاعرتنا حتى وان كانت قد اتسمت بالكثير من الالم، ولعلي اغاير الصورة الظاهرة لشهية الغناء هنا باعتباره غناء من الصدمة الممهدة لتأويلات عميقة مرتبطة بصميم الحراك الشعري والشعوري:

الليل يرغمنا على التأويل

والالوان تتسع في القصيد وحلم الفقراء

هذا مانسميه قيمة الصورة الرامزة النابعة من الاحتمالية اللونية التي توظفها الشاعرة في ديوانها المبني اصلا على اساس توهيمي بلاغي تشكيلي، او بالاحرى امكانية طرح الافتراضية التي تحيل سيمائية اللون الى رمز له فاعليته الخاصة في بنية القصيدة ومسارها البلاغي التشكيلي، فبمجرد تأمل المشهد الليل المقترن بالتأويل ندرك وقتها ان الحالة تتخذ مساراً مغايراً ، لهذا تاتي لفظة" الالوان" هنا بدون قصدية تحديدية انما شمولية ايحائية تخترق بنية القصيدة ولاتقف عند حدودها الظاهرية بل تتعداها الى حلم الفقراء باعتبارهم هنا هم اساس الفعل الحدثي المقترن بتأويلية الليل، والمحرك للذات الشاعرة لرصد الحراك البراني المتيقن بما تؤول اليه الحالة نفسها طالما انها اقترنت بحلم الفقراء، وهذا بالتالي ما يحرك فيها دمها بدهشة من لم تتوقع ان تصبح الامور بهذا الشاكلة المغايرة للتصور...

يفيض دمي الملون بالدهشة

افتح للماء الناعم ذاكرة اخرى

عامل الدهشة هو المحرك الفعال في صيرورة " يفيض" لكون مترتبات السابق تعطي مساحات ممتلئة يمكن من خلالها ادارك ماهية " تفيض" بل احيانا توجبها لكمها الهائل، لكن ما يخلق الدهشة هو كون الدم اقترن هنا بلونية مستحدثة في تعبير عن كون ما يجري لاينتمي اليه، وهذا ما احال الذات الشاعرة الى توظيف الدهشة كمقترن استدلالي للونية الدم نفسه، فضلاً عن استحداث قرين اخر ينتمي الى الدم في تكوينه "الماء" وبنعت يبعث هو الاخر الى الدهشة " الناعم" باعتبار ان الماء لاينعت كما انه لاينتمي الى لونية اثباتية، لكن تلك التوظيفات اجمالاً اتت لتؤثث لعوالم ارداتنا الشاعرة ان نقيسها وفق معايير البراني المستحدث اصلا في فعله المؤثر بحيث يصبح الواقع غير الذي تم انتظاره، ولذلك تنشط الذاكرة فتصطدم بالموجود، مما يحيلها الى اللجوء بخلق ذاكرة اخرى غير التي امتئلت بتلك الصور، ولاج لان تفعل ذلك عليها ان تستند الى العاطفة هنا لايجاد معبر آمن لرؤاها وروحها ....

جربت ان ارتدي لون يديك

واتقاسم معك الخطوات حين تبتعد عنا الارض

هذه التوهيمة الصوفية هي قمة التأثر بالواقع البراني وقمة التأثر بمترتبات الحدث العام الذي اعطت صورة مغايرة تماما لما كانت الذات الشاعرة تنتظره،  فاضطرت الى خلق ذاكرة تعيد بعض الصور المعلقة في اللاوعي والتي اصلا كانت تنتظر استفاقة من الوعي لتكون جاهزة في اداء دورها الوجداني الانتمائي معاً، وهذه الصور وان اتت مغايرة للنسق العام للحراك التوظيفي اللوني السابق الا انها استكمال طبيعي للصيرورة الذاكراتية لدى الذات الشاعرة، وهي لاتتوقف بمجرد وصف الحالة المتاحة والفعالة آنياً انما هي استمرار لفعل كائن مؤثر على روحية الشاعرة وتنتظر من الواقع صورة تبعدها عن مترتبات الصفقة التي لم تكسب الروح الامان..

يسقط غصنك المنحني فوق غيم خفيف

يطفو من مخيلة ليلتك لون الروح الرمادي

فعل الاسقاط ليس بتعبير مجاني عبثي استخدمته الشاعرة لرسم ملامح شيء محدد، انما هي استعارة تبعث الدهشة المستكملة للدم الملون بالدهشة، فارتابط "يسقط" ب" غيم" ومن ثم ب " لون الروح الرمادي" تجعلنا نعيش وقع الرؤية بتجليات متباينة في احداثياتها التشكيلية واستنباطاتها التأويلية باعتبارها تثير تعددية تأويلية واضحة من حيث التناغم البنيوي للغة والرؤية معاً، وهي في الاصل اتت مكملة لاسقاطات لونية اخرى سابقة ولاحقة وظفتها الشاعرة لايصال الصورة بتقنية الدهشة التي اعتمدتها في جذب مكونات الصورة نفسها، على اعتبار ان رمادية الروح هنا ليست بامر طارئ انما هي امتداد للحراك السلبي البراني الذي اثر في كينونة الروح واخرجتها حتىذاكرتها الاخرى التي استعانت بها، ولهذا نجد بان الشاعرة تعيد رسم الصورة باللون الرمادي لكن هذه المرة تعيره للدم  " لم اكن قريبة مني لكن خفقة الدم خلف اللون الرمادي ،، تزيح الحلم في منتصف النعاس .."  وبتضاد مع الروح الصوفية التي حاولت قبل الان ان تلجأ اليها باعبتار ان الذاكرة الاخرى ايضا لم تستطع ان تستوعب مرتبات الواقع البراني فادخلت الروح في معترك الانفصام مع كينونتها ودمها واحلامها، وفي محاولة جادة من الذات الشاعرة ان تستوعب الموقف الاجمالي حاولت ان تستعين بصورة رامزة مؤثرة في بنية القصيدة ومعبرة عن الانتمائية المغايرة للصورة الظاهرة " الكف المرفوع كلون الشمس ..." هذا الكف يمكن تخيله يراود مقبض الباب بصورة مغايرة بعيدا عن التجسد السطحي، حيث يمكن ان تحيلنا الى ذلك الكف التي تريد تغيير الواقع دون ان تلجأ مضطرة الى مغادرة جغرافيتها، وهي بذلك تؤثث لون الشمس كمدخل استعلائي لتلك الكف المطالبة بحق وجودها وحق الابقاء على محصلات الفكر القائم من اجل تغيير الواقع وليس من اجل صور وهمية تحاول طفلة ما ان تغير ملامحها بلهوها البريء وهي في الاصل تلهو في الغابة، وهذا ما جعلت الشاعرة تدخل معترك التساؤلات لتخرج من تجويفاتها الحلمية المنغلقة على اثارة اللونية كمنطلق اساس للتصوير والسؤال وفجر اخر..

من وضح الحلم اكتبه واراهن الحياة بصورة وسؤال

ثم ادخل الصحو بالوان تستكمل بهاء الفجر

يقدم لنا هذه الصورة في سيمائية اللون شيئاً مختلفا من حيث الاسيقة الشعرية السابقة باعتباره هنا يمنطق تلك المسارات من اجل استحداث نمط وجودي اخر، لهذا نلامس فيه اختلاق صحوة فعلية في التشكيلات البلاغية  للفظة " اللون " التي اعتمدتها الشاعرة بحيث اصبحت هنا اكثر نضجا من حيث الفكرة التي اراها تتكئ على ما تثار من احتمالات المعنى وتنسج علاقات منتظرة، في كينوتها وهذا ما يمكن ملامسته من تغير البنية اللغوية في توضيحاتها الدلالية الموظفة ضمن الاطار الحلمي، فمن احلام مسكونة بتعبية الواقع نجدها تنطلق من الحلم نفسه لايصال رؤاها المتقدة والتي تبدأ بالكتابة كايحاء بالبدء او بداية جديدة، ومراهنة الحياة من حلال معتركه الاكثر ايحاءً التصوير والتساؤال وكل هذا من اجل اثبات الرؤية التي تستحق المحاولة بنظر الشاعرة والتي من خلال تدخل الصحو بالوان اخرى غير التي سبقت وان اجهضت امانيها بواقع مغاير وجديد لاسيما بعد الصفقة الاكبر في تاريخها، صحو فيه فجر مكتمل،، وعلى الرغم من ان الشاعرة نفسها تعي صعوبة الامر الا انها اغتنمت تلك الصحوة في ذاتها لتعبر عنها بشفافية لونية واضحة وذلك لكون ان قلبها لم يزل محملاً بالكثير من الاماني..

وكان قلبي يحمل خضرة قميصي وحرية العبارة..

تلك هي النقطة التي تنطلق منها عبارتها المحملة بالكثير من الاماني  علها ترسو على شواطئ الحرية المنشودة والتي من اجلها كانت الصفقة الاهم في تاريخ وجودها، ولذلك نجدها تغاير النسق العام لاستخداماتها اللونية فتأتي هنا ب" خضرة" كمدلول واضح لاهمية الترابط الزمكاني في نصوصها الناقلة لواقع الانتمائي من جهة، ولتصوراتها لذلك الواقع بعد التغيير من جهة اخرى، والاعتمالات التي تريد ان تؤثث عوالمها القصية كمدخل مغاير لما كان ولما هو الان، فلتجأ الشاعرة من اجل تفعيل تلك الرؤى الى محددات لونية واضحة ومسميات اقترانية تفيض الاحتمالية مثلما نجدها في هذه الايقونة" هنا نرجسة تحت سماء تحوم في فضاء لايرى" و في " تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة.." وفي " نشتهي الفاكهة في الجمر .. نعبر النرجس الشبقي.."، نجد في هذه الالتقاطات سواء من حيث تكرار اللون او تلازميتها لمقترنات ذات دلالات انتمائية واخرى وجدانية صوفية، علاقة متينة بالصياغة التي قد لاتلتزم بالتوجه الى توظيف الدلالات اللونية مباشرة بل تعمل على صياغتها وفق معطيات متداخلة يحفز وتنشط الكشف والتحليل، وبلاشك يعد هذا من احدى مرتكزات النص الشعري الحداثي الذي يحتفي بالمغايرة في اسستثمار اللونية وجمالياتها في تشكيل النص وفي  مكوناته، فلكل من " الفضة" و"نرجسة" سياقاتها المحددة ضمن اجمالي النسق الشعري النصيي الحداثي هنا، مما يحيلنا بالتالي الى استقدامات تلازمية اخرى يمكن من خلالها صياغة الرؤيا الاجمالية لهذه الالتقاطات اللونية ذمن مسمياتها وجغرافيتها، وعلى هذا الاساس يلزمنا تتبع خطاها لمعرفة منطقها المخصوص لاسيما انها تكررت في مواضع اخرى بدلالات وصور يستنبط منها توحشاً كما في" وهم يقتسمون حلمك..يفتحون قميصك الفضي للريح..." فهذه الصورة المتوحشة والتي تنقل بجدلية واضحة الواقع العياني الذي بات يعيشه الانسان في وطنها يجعلنا نعيش وقع قولها تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة من قبل، وهي الصورة المتوحشة نفسها التي جعلت منها تقحم وربما لاول مرة الاحمر في مقتضيات رؤيتها حين تقول " يتمدد في العراء كذئب... ثم يختض.. يحمر ويغدو قبيلة بين جمر وحصى..." ان هذه الرؤية المتوحشة التي تعطي  صورة الواقع الانساني في وطنها تبهر وتثير الدهشة فهذه التراكيب قلما تجتمع في نص ابداعي حداثي لكونها تراكيب يمكن ان توظف ضمن سياقات تضادية مغايرة في بناها الشعرية القصدية منها والايحائية، ولكن الشاعرة وبثقة وظفتها لتعطينا موقفها من جهة، وتصويرها للواقع من جهة اخرى، وتنبأها للمستقبل كرؤية مستقلة باعثة على التأمل فهذا التناسل الذئبي لاياتي  لينثر عبق الورد في الواقع انما سيخلق ممرات ومساحات دم لانهاية لها..وعلى ايقاع الدم يختمر رؤاها لتحول الحلم المجهض في البداية والباحث عن انتفاضة في وقت ما الى الالتجاء للسواد كمعبر عن هويته الجديدة..

كنت وحدي اعبث بالفيض

انسخ الفجر على لوح الحلم...واذرع السواد

كنت اصبغ الليل بخلوته..

تنوعت سياقات اللون في نصوص شاعرتنا حتى انها اعتمدت الكثير من الاعتمالات بشقيها الاملية واليأسية الا انها اجمالا انتهجت التعبير عن مكنونها الذاتي الشخصي وموقفها تجاه البراني " الوطن" ضمن نسق متصاعد، حتى اصبح تنبأ بما لايمكن تصوره بسهولة، ولهذا نجدها تنبهنا الى نقطة الحسم في كونها لاتاتي برؤاها من فراغ وانها تتحمل مسؤولية ما تقوله فعبثها بالفيض لاياتي اعتباطيا انما من قناعتها وادراكها بالموجودات والمؤثرات التي تفيض عليها من كل صوب فتجعلها تارة تعيش وقع الحلم المجهض وتارة وقع الحلم المتمرد على الواقع والباحث عن بداية جديدة، وتارة اخرى عن الحلم الذي يكاد يتم وأده دون ان يحفظ للفجر من مساحة، فتأتي التقاطاتها الشعرية موحية بتفنن ووعي لتضفي على الايقاع الجواني حتمية التمازج بينه وبين البراني، وهذا ما يجعلها في كل مرة تصل الى هذا اليأس ان تتخذ من الطفولة ممرا لفتح ممرات جديد على الرغم من توارثها للسواد..

سماء البارحة هي نفسها

سوداء جدا في حدقة طفل

وعصفور بريش منخك

تلك هي الصورة التي باتت تؤرق روحها وامانيها وكل موجوداتها ، فالزمنية هنا ليست محددة بقدر ما هي امتداد منغرس في الوقت نفسه، حيث توق الشاعرة الى حياة جديدة غير التي كانت وآلت اليه الامور في حاضرها تجبرها على الانقياد لميلادات جديدة والطفولة هي التي ترمز لتلك الامتدادات المتجددة في رؤاها والتي تحاول ان تخرج من يأسها ووقع البراني عليها، حتى وان كانت ستتخذ مسارات غريبة لكنها في الاصل مسارات تعطي انفراجاً وحرية وحياة اخرى..

هذا الذي يتوسط بين ارض تكتمل بعشاقها

والمشهد الضيق بصرخة في اتجاه التوابيت الوردية

تلك هي المساحات التي تريد الشاعرة ان تخلقها في انصهارها الذاتي الشعري هنا، حيث الاتحاد والحلول بالتراب الذي يضم تحت انقاضه رفات ارواح من ارادوا للواقع وردياً لمن يأتوا من بعدهم دون ان يكون الدم والسواد هما ما يلونان الواقع، وبهذا تنتقل الالوان في مخيلة الشاعرة الى محاكاة الواقع" الوطن" و "الانسان"  الى لغة الروح بكل ما تتناوبها من اتكاءات المشاعر على حركة النفس التي تريد ان تتشكل من خلال الوانها ما يسجد رؤيتها وانفعالاتها وتوحدها بترابها وانسان وطنها على الرغم من ما في توظيفاتها اللونية من علامات تزخر بدلائل حياة مقهورة.

  

جوتيار تمر


- See more at: http://www.alnoor.se/article.asp?id=235721#sthash.NF7myXgw.dpuf

اعتصرت الرؤية الاجهاضية التي تبنتها الشاعرة ضحى من خلال تماسها المباشر مع الواقع البراني الذي تمثل في هزات وعواصف ضربت شواطئ وطنها، فكانت الصبغة الانتمائية طاغية على نصوصها، وكان النفور من ما آلت اليه الاوضاع بمثابة جرح مزمن اصيب به روح الشاعرة، لاسيما انها عاشت مخاض التغيير والثورة التي ارادها الجميع نقطة انطلاق نحو افاق ابعد مما كانت عليه، وكأن الثورة القت بظلالها ومآسيها على روح الشاعرة فجرفتها الى مخاضاتها الموجعة،  وقد ظهرت تلك المخاضات من البدء حيث العنوان " صفقة مع الريح" وكأن مديات الواقع وتمفصلاته قد اوقعت شاعرتنا في حالة من الشك بما ستؤول اليه الاوضاع في وطنها بعدما تلاشى الامان وانتشر الموت المجاني في الشوارع، وتداخلت مضامين الساسة وطموحاتهم مع الحياة الاجتماعية البسيطة التي ارادها الناس بعد ثورتهم فاصبح لسان الحال يقول لقد عقدنا صفقة الحرية مع الريح، لذا نلامس هذا التفاعل الحي والوجداني والعقلي بين الذات الشاعرة وبين الاحداث البرانية، والتي تجلت في صور شعرية ماتعة ورؤى بلاغية ابدعت شاعرتنا في رسمها بالكلمات، ومع تلك المخاضات المتنوعة ظهر اللون كركيزة في الديوان بحيث وجدنا بانه قلما كتبت الشاعرة نصاً في ديوانها دون التطرق الى ماهية لون ما، او حتى الايحاء باللونية سواء كمدلول ايحائي او قصدي، ومن خلال هذه الدراسة النقدية سنحاول التوقف على مصاف اللونية في قصائد شاعرتنا:

لقد ارتكز المعجم اللوني  في ديوان صفقة مع الريح على التعددية اللونية التي يمكن رصد بعض ملامحها ضمن اطارين الاول يعتمد على القصدية كالسواد حيث ورد مرتين، والبياض اربع مرات، كما ورد كل من الاحمر والوردي والاخضر مرة واحدة، وورد النرجسي والفضي مرتين، والثاني الايحائية لاسيما في توظيف لفظة لون التي وردت في  عشر تشكيلات دلالية، بصيغ مختلفة مفردة وجامعة ومقترنة بلونية محددة كالبني والرمادي وبصيغ تشبيهية ايضاً، كما ان لفظة الحبر وردت بشكل واضح في نصوص ضحى وهي اشارة استدلالية يمكن التكهن باحتمالية لونية في بعض مضامينه اذا ما اسقطنا اللفظة على ماهية الكتابة التي وردت بها في اغلب الاحيان الا اننا سنكتفي بذكرها هنا دون البحث في ماوراء استخدامتها، واجمالا اتت اللونية  بدلالات قصدية وايحائية ضمن منظومة مركزة اعتمدت عليها الشاعرة لاغراض شعرية وتشكيلية مختلفة، حيث  يذهب د. دريد يحيى الخواجة الى "ان اللون في القصيدة لاياتي محايداً بل يكون نتيجة احساس في سياق النص، ودلالة ما لها تأثيرها العمق في حملة تجليات النص الخفية، كما انه يعتبر علامة في سياق التعبير الشعري نستكشف دوره في وحدة النص المركزية، وفي تفريعاته التي يردها الى بنية ارتباطاتها في تشكيل النص"،  وهذا ما نلمسه في توظيفات شاعرتنا للالوان بصورة عامة، فضلاً عن ذلك فان الالوان اتت كحراك موازي للذات الشاعرة ورؤاها التي تناسلت ونمت من واقعها سواء على المستوى الانتمائي ام الذاتي الشخصي، وفي كلا المستويين نلامس حراكاً موازيا لاستخدامات اللون بحيث تحقق رؤيتها دون ان تخرج النص من سياقه ونسقه الشعري الحداثي، وهذا ما يجعلنا نعي بان توظيف اللون في مثل هذه السياقات تعني على الارجح رسم صورة نصية مؤثرة. مثلما فعلت في اغلب نصوصها:

يتعبني البياض...تتعبني قبلة عاشق

 واغنية اخر الليل

فهذه الصورة المتجلية التي تعاكس المضمون الظاهري للرؤيا البصرية، باعتبار ان البياض دائما له تأثيره الايجابي والموحي بالسلام والامان، او حتى في الاستسلام، فانه هنا يؤدي دوره التضادي وببصيرة ووعي تام بموجبات المغايرة، لاسيما ان شاعرتنا تعمدت على ان يسبق الفعل المؤثر " يتعبني"  على البياض مما يوحي بعمق الهوة التي تعيشها الذات الشاعرة بحيث اصبح البياض كلون مؤثر بايجابية على الروح والنفس هنا لونا يشير على تعاسة الواقع البراني وصعوبته واحالة البياض الى لون منهك ومتعب على المستوى الدلالي الانتمائي والوجداني معاً وهذا ما يتضح لنا بصورة واضحة من خلال الحراك اللوني ذا التشعب التوظيفي والتشكيلي معاً، فالواقع المغاير الذي حول البياض الى ارهاق وتعب هو نفسه الذي يجعل من الذات تعيش الغربة والوحدة في حالتها الوجدانية، وهذا ما تؤكده الشاعرة في موضع اخر من ديوانها، حيث تبقي البياض ضمن دائرة التعب، والوحشة، والفتنة:

من متعب الى عاشق

يتقاذفه الاشتياق

وماء القلب المخضب بالوحشة والبياض

وهذيان الهواء و الفتنة

هذه التوهيمات البلاغية الدلالية التصويرية الفائقة تجعلنا نعيش واقع البياض الذي تصوره لنا الشاعرة بدقة وحرفية، على اننا نلامس في الصورة الثانية اكثر توحشاً واكثر جدلية في الاخذ بالبياض كلون محرك لتلك الرؤى التي تنادي وتؤمن بها شاعرتنا، فالوجدانية ان سبقت هنا اللونية الا انها كانت المدخل لتعطينا الصورة الاكثر تماساً مع الواقع التي تعيشه، حيث الفتنة التي الحقت الدمار بكل ما هو جميل من حولها جعلتها تضع البياض في خانة الالوان التي لم تعد تؤدي دورها في حياتها ورؤيتها، على الرغم من كونها حاولت ان تفتح للبياض فسحة وممراً للعودة في نص اخر، الا انها فسحة احتمالية تنتظر جيلاً اخراً يأتي ليدفن مخاضات البياض الذي لبس رداء الفتنة، فيعيش بروح الطفولة معبراً عن كينونته:

طفلة تلون الغابة ببياض اللهو

تختصر فيها صوفية العشق

وعلى هذا الاساس تنتظر الشاعرة ا ن ياتي جيل اخر " طفلة" لتلون الغابة ، الواقع المتحول الى خراب فتعيد بلهوها البريء العشق المفقود بروحية التصوف، أي الوحدة والاتحاد من جديد، وهذه الصورة بحد ذاتها تعطينا يقيناً بان الشاعرة لم تقع في اليأس المطلق انما لم تزل تعيش وقع امل ربما ليس بقريب ولكنه ليس بمستحيل، ولا يهم ان كان حلماً في الاساس لانه سيحمل في الاول والاخير لوناً ما يغير معالم الموجود، ولهذا نجدنا في نصوص كثيرة نعيش وقع اللونية بصورة مغايرة تماماً بحيث لاتعطينا الشاعرة لوناً  معرفياً محدداً الا من خلال السياق العام للفظة اللون نفسه، ولكنها في الاغلب مرهونة بحلم آت واخر مدفون او على وشك الدفن:

يمضي حلم

والجسد يزداد سوء في لون الغيوم

حلم يجيء يراق في دمه طفلة...

الحلمية هنا ليست توليفة وهمية، انما هي ارتباطية حسية ادراكية لمحركات الواقع والاحساس الداخلي للذات الشاعرة، فالحلم ان ظل في مساره سائراً، فانه قد يكون بلون ماء، وليس مستحيلاً ان يلبس لون الغيوم، وهذه الغيوم هي المحرك والفيصل في تحديد سياق اللون نفسه، لكون الغيوم عادة ماتكون سوداء، وفي سوداها احتمالية اخرى تفوق اللون نفسه باعتبارها تكون بردائها هذا ماطرة، ولهذا نجد الحلم يلبس الجسد والجسد يلبس لون الغيوم فتحرك مساحة الحلم لتراق في النهاية " طفلة" هذه المعادلة الصعبة في كل مستواياتها تتخذ من معبر لفظة اللون احتمالية مغايرة عن تلازمية اللون الاسود للغيوم، حتى ان الشاعرة نفسها تأتينا بصورة اخرى تعقب الامطار فتجعله مدخل للتمازج بين ماهية الامطار وماهية اللون البني" الترابي" هنا:

تتناوب عليه الامطار

ويغيب اللون البني وصغار الجن....

التعاقب الذي اولدته الشاعرة هنا، الامطار، اللون البني، صغار الجن، هو في تشكيله الظاهر يوحي بصورة مختصرة لوجودية الكائن الانساني، فاذا ماء جعلنا الصورة الرامزة هنا تحكي بمنطق ووعي سنجد بان الماء والتراب والحياة كعناصر اساسية للتكوين تراكمت معا لاينقصها الا النار ليصبح المشهد متكاملا لاسيما وانه مرهون بجذع النخلة  في قصيدة " مريم"   أي في الصورة الاساسية التي تأسست منها اشكالية التناوب، لهذا السبب ان الصورة التي تثبت اللونية هنا بتلازمية البني هو الاصل الترابي الذي توشك الشاعرة ان تعطيه شكل مغاير لكونه اصبح مرهوناً بمترتبات لاثبات لها على الرغم من تاريخيتها وعمقها في الوجود ...

منذ خطيئة في باطن حدقتي

وانا الهو بلون يثير شهيتي للغناء

حين نحدد جغرافية الوجود نعيدها في بعض الميثولوجيات الى الخطيئة، لكن هنا حتى لايكون الالتباس ممكنا نستقطع اداة التعريف عنها" خطيئة" لنوظفها ضمن اطارها الجغرافي المحدود جداً ف " حدقتي" لاتعطي احتمالات كثيرة خارجة عن نطاق الذات الشاعرة، لاسيما انها تلحقها ب" انا" حيث لامجال للتفكير خارج هذا الاطار المحدد، لكن هذا في الوقت نفسه لايعطي انطباعاً بامكانية التأويل الواحد لماهية " خطيئة" بل تعطينا مساحات تخيل غير محددة يمكن ان تتضمن خطيئة وجدانية او خطيئة انتمائية بالاخص ان الثانية هنا توشك ان تغطي اغلب المسامات الوجدانية والفكرية داخل الديوان فالانتماء له الاولوية في توظيفات شاعرتنا حتى وان كانت قد اتسمت بالكثير من الالم، ولعلي اغاير الصورة الظاهرة لشهية الغناء هنا باعتباره غناء من الصدمة الممهدة لتأويلات عميقة مرتبطة بصميم الحراك الشعري والشعوري:

الليل يرغمنا على التأويل

والالوان تتسع في القصيد وحلم الفقراء

هذا مانسميه قيمة الصورة الرامزة النابعة من الاحتمالية اللونية التي توظفها الشاعرة في ديوانها المبني اصلا على اساس توهيمي بلاغي تشكيلي، او بالاحرى امكانية طرح الافتراضية التي تحيل سيمائية اللون الى رمز له فاعليته الخاصة في بنية القصيدة ومسارها البلاغي التشكيلي، فبمجرد تأمل المشهد الليل المقترن بالتأويل ندرك وقتها ان الحالة تتخذ مساراً مغايراً ، لهذا تاتي لفظة" الالوان" هنا بدون قصدية تحديدية انما شمولية ايحائية تخترق بنية القصيدة ولاتقف عند حدودها الظاهرية بل تتعداها الى حلم الفقراء باعتبارهم هنا هم اساس الفعل الحدثي المقترن بتأويلية الليل، والمحرك للذات الشاعرة لرصد الحراك البراني المتيقن بما تؤول اليه الحالة نفسها طالما انها اقترنت بحلم الفقراء، وهذا بالتالي ما يحرك فيها دمها بدهشة من لم تتوقع ان تصبح الامور بهذا الشاكلة المغايرة للتصور...

يفيض دمي الملون بالدهشة

افتح للماء الناعم ذاكرة اخرى

عامل الدهشة هو المحرك الفعال في صيرورة " يفيض" لكون مترتبات السابق تعطي مساحات ممتلئة يمكن من خلالها ادارك ماهية " تفيض" بل احيانا توجبها لكمها الهائل، لكن ما يخلق الدهشة هو كون الدم اقترن هنا بلونية مستحدثة في تعبير عن كون ما يجري لاينتمي اليه، وهذا ما احال الذات الشاعرة الى توظيف الدهشة كمقترن استدلالي للونية الدم نفسه، فضلاً عن استحداث قرين اخر ينتمي الى الدم في تكوينه "الماء" وبنعت يبعث هو الاخر الى الدهشة " الناعم" باعتبار ان الماء لاينعت كما انه لاينتمي الى لونية اثباتية، لكن تلك التوظيفات اجمالاً اتت لتؤثث لعوالم ارداتنا الشاعرة ان نقيسها وفق معايير البراني المستحدث اصلا في فعله المؤثر بحيث يصبح الواقع غير الذي تم انتظاره، ولذلك تنشط الذاكرة فتصطدم بالموجود، مما يحيلها الى اللجوء بخلق ذاكرة اخرى غير التي امتئلت بتلك الصور، ولاج لان تفعل ذلك عليها ان تستند الى العاطفة هنا لايجاد معبر آمن لرؤاها وروحها ....

جربت ان ارتدي لون يديك

واتقاسم معك الخطوات حين تبتعد عنا الارض

هذه التوهيمة الصوفية هي قمة التأثر بالواقع البراني وقمة التأثر بمترتبات الحدث العام الذي اعطت صورة مغايرة تماما لما كانت الذات الشاعرة تنتظره،  فاضطرت الى خلق ذاكرة تعيد بعض الصور المعلقة في اللاوعي والتي اصلا كانت تنتظر استفاقة من الوعي لتكون جاهزة في اداء دورها الوجداني الانتمائي معاً، وهذه الصور وان اتت مغايرة للنسق العام للحراك التوظيفي اللوني السابق الا انها استكمال طبيعي للصيرورة الذاكراتية لدى الذات الشاعرة، وهي لاتتوقف بمجرد وصف الحالة المتاحة والفعالة آنياً انما هي استمرار لفعل كائن مؤثر على روحية الشاعرة وتنتظر من الواقع صورة تبعدها عن مترتبات الصفقة التي لم تكسب الروح الامان..

يسقط غصنك المنحني فوق غيم خفيف

يطفو من مخيلة ليلتك لون الروح الرمادي

فعل الاسقاط ليس بتعبير مجاني عبثي استخدمته الشاعرة لرسم ملامح شيء محدد، انما هي استعارة تبعث الدهشة المستكملة للدم الملون بالدهشة، فارتابط "يسقط" ب" غيم" ومن ثم ب " لون الروح الرمادي" تجعلنا نعيش وقع الرؤية بتجليات متباينة في احداثياتها التشكيلية واستنباطاتها التأويلية باعتبارها تثير تعددية تأويلية واضحة من حيث التناغم البنيوي للغة والرؤية معاً، وهي في الاصل اتت مكملة لاسقاطات لونية اخرى سابقة ولاحقة وظفتها الشاعرة لايصال الصورة بتقنية الدهشة التي اعتمدتها في جذب مكونات الصورة نفسها، على اعتبار ان رمادية الروح هنا ليست بامر طارئ انما هي امتداد للحراك السلبي البراني الذي اثر في كينونة الروح واخرجتها حتىذاكرتها الاخرى التي استعانت بها، ولهذا نجد بان الشاعرة تعيد رسم الصورة باللون الرمادي لكن هذه المرة تعيره للدم  " لم اكن قريبة مني لكن خفقة الدم خلف اللون الرمادي ،، تزيح الحلم في منتصف النعاس .."  وبتضاد مع الروح الصوفية التي حاولت قبل الان ان تلجأ اليها باعبتار ان الذاكرة الاخرى ايضا لم تستطع ان تستوعب مرتبات الواقع البراني فادخلت الروح في معترك الانفصام مع كينونتها ودمها واحلامها، وفي محاولة جادة من الذات الشاعرة ان تستوعب الموقف الاجمالي حاولت ان تستعين بصورة رامزة مؤثرة في بنية القصيدة ومعبرة عن الانتمائية المغايرة للصورة الظاهرة " الكف المرفوع كلون الشمس ..." هذا الكف يمكن تخيله يراود مقبض الباب بصورة مغايرة بعيدا عن التجسد السطحي، حيث يمكن ان تحيلنا الى ذلك الكف التي تريد تغيير الواقع دون ان تلجأ مضطرة الى مغادرة جغرافيتها، وهي بذلك تؤثث لون الشمس كمدخل استعلائي لتلك الكف المطالبة بحق وجودها وحق الابقاء على محصلات الفكر القائم من اجل تغيير الواقع وليس من اجل صور وهمية تحاول طفلة ما ان تغير ملامحها بلهوها البريء وهي في الاصل تلهو في الغابة، وهذا ما جعلت الشاعرة تدخل معترك التساؤلات لتخرج من تجويفاتها الحلمية المنغلقة على اثارة اللونية كمنطلق اساس للتصوير والسؤال وفجر اخر..

من وضح الحلم اكتبه واراهن الحياة بصورة وسؤال

ثم ادخل الصحو بالوان تستكمل بهاء الفجر

يقدم لنا هذه الصورة في سيمائية اللون شيئاً مختلفا من حيث الاسيقة الشعرية السابقة باعتباره هنا يمنطق تلك المسارات من اجل استحداث نمط وجودي اخر، لهذا نلامس فيه اختلاق صحوة فعلية في التشكيلات البلاغية  للفظة " اللون " التي اعتمدتها الشاعرة بحيث اصبحت هنا اكثر نضجا من حيث الفكرة التي اراها تتكئ على ما تثار من احتمالات المعنى وتنسج علاقات منتظرة، في كينوتها وهذا ما يمكن ملامسته من تغير البنية اللغوية في توضيحاتها الدلالية الموظفة ضمن الاطار الحلمي، فمن احلام مسكونة بتعبية الواقع نجدها تنطلق من الحلم نفسه لايصال رؤاها المتقدة والتي تبدأ بالكتابة كايحاء بالبدء او بداية جديدة، ومراهنة الحياة من حلال معتركه الاكثر ايحاءً التصوير والتساؤال وكل هذا من اجل اثبات الرؤية التي تستحق المحاولة بنظر الشاعرة والتي من خلال تدخل الصحو بالوان اخرى غير التي سبقت وان اجهضت امانيها بواقع مغاير وجديد لاسيما بعد الصفقة الاكبر في تاريخها، صحو فيه فجر مكتمل،، وعلى الرغم من ان الشاعرة نفسها تعي صعوبة الامر الا انها اغتنمت تلك الصحوة في ذاتها لتعبر عنها بشفافية لونية واضحة وذلك لكون ان قلبها لم يزل محملاً بالكثير من الاماني..

وكان قلبي يحمل خضرة قميصي وحرية العبارة..

تلك هي النقطة التي تنطلق منها عبارتها المحملة بالكثير من الاماني  علها ترسو على شواطئ الحرية المنشودة والتي من اجلها كانت الصفقة الاهم في تاريخ وجودها، ولذلك نجدها تغاير النسق العام لاستخداماتها اللونية فتأتي هنا ب" خضرة" كمدلول واضح لاهمية الترابط الزمكاني في نصوصها الناقلة لواقع الانتمائي من جهة، ولتصوراتها لذلك الواقع بعد التغيير من جهة اخرى، والاعتمالات التي تريد ان تؤثث عوالمها القصية كمدخل مغاير لما كان ولما هو الان، فلتجأ الشاعرة من اجل تفعيل تلك الرؤى الى محددات لونية واضحة ومسميات اقترانية تفيض الاحتمالية مثلما نجدها في هذه الايقونة" هنا نرجسة تحت سماء تحوم في فضاء لايرى" و في " تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة.." وفي " نشتهي الفاكهة في الجمر .. نعبر النرجس الشبقي.."، نجد في هذه الالتقاطات سواء من حيث تكرار اللون او تلازميتها لمقترنات ذات دلالات انتمائية واخرى وجدانية صوفية، علاقة متينة بالصياغة التي قد لاتلتزم بالتوجه الى توظيف الدلالات اللونية مباشرة بل تعمل على صياغتها وفق معطيات متداخلة يحفز وتنشط الكشف والتحليل، وبلاشك يعد هذا من احدى مرتكزات النص الشعري الحداثي الذي يحتفي بالمغايرة في اسستثمار اللونية وجمالياتها في تشكيل النص وفي  مكوناته، فلكل من " الفضة" و"نرجسة" سياقاتها المحددة ضمن اجمالي النسق الشعري النصيي الحداثي هنا، مما يحيلنا بالتالي الى استقدامات تلازمية اخرى يمكن من خلالها صياغة الرؤيا الاجمالية لهذه الالتقاطات اللونية ذمن مسمياتها وجغرافيتها، وعلى هذا الاساس يلزمنا تتبع خطاها لمعرفة منطقها المخصوص لاسيما انها تكررت في مواضع اخرى بدلالات وصور يستنبط منها توحشاً كما في" وهم يقتسمون حلمك..يفتحون قميصك الفضي للريح..." فهذه الصورة المتوحشة والتي تنقل بجدلية واضحة الواقع العياني الذي بات يعيشه الانسان في وطنها يجعلنا نعيش وقع قولها تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة من قبل، وهي الصورة المتوحشة نفسها التي جعلت منها تقحم وربما لاول مرة الاحمر في مقتضيات رؤيتها حين تقول " يتمدد في العراء كذئب... ثم يختض.. يحمر ويغدو قبيلة بين جمر وحصى..." ان هذه الرؤية المتوحشة التي تعطي  صورة الواقع الانساني في وطنها تبهر وتثير الدهشة فهذه التراكيب قلما تجتمع في نص ابداعي حداثي لكونها تراكيب يمكن ان توظف ضمن سياقات تضادية مغايرة في بناها الشعرية القصدية منها والايحائية، ولكن الشاعرة وبثقة وظفتها لتعطينا موقفها من جهة، وتصويرها للواقع من جهة اخرى، وتنبأها للمستقبل كرؤية مستقلة باعثة على التأمل فهذا التناسل الذئبي لاياتي  لينثر عبق الورد في الواقع انما سيخلق ممرات ومساحات دم لانهاية لها..وعلى ايقاع الدم يختمر رؤاها لتحول الحلم المجهض في البداية والباحث عن انتفاضة في وقت ما الى الالتجاء للسواد كمعبر عن هويته الجديدة..

كنت وحدي اعبث بالفيض

انسخ الفجر على لوح الحلم...واذرع السواد

كنت اصبغ الليل بخلوته..

تنوعت سياقات اللون في نصوص شاعرتنا حتى انها اعتمدت الكثير من الاعتمالات بشقيها الاملية واليأسية الا انها اجمالا انتهجت التعبير عن مكنونها الذاتي الشخصي وموقفها تجاه البراني " الوطن" ضمن نسق متصاعد، حتى اصبح تنبأ بما لايمكن تصوره بسهولة، ولهذا نجدها تنبهنا الى نقطة الحسم في كونها لاتاتي برؤاها من فراغ وانها تتحمل مسؤولية ما تقوله فعبثها بالفيض لاياتي اعتباطيا انما من قناعتها وادراكها بالموجودات والمؤثرات التي تفيض عليها من كل صوب فتجعلها تارة تعيش وقع الحلم المجهض وتارة وقع الحلم المتمرد على الواقع والباحث عن بداية جديدة، وتارة اخرى عن الحلم الذي يكاد يتم وأده دون ان يحفظ للفجر من مساحة، فتأتي التقاطاتها الشعرية موحية بتفنن ووعي لتضفي على الايقاع الجواني حتمية التمازج بينه وبين البراني، وهذا ما يجعلها في كل مرة تصل الى هذا اليأس ان تتخذ من الطفولة ممرا لفتح ممرات جديد على الرغم من توارثها للسواد..

سماء البارحة هي نفسها

سوداء جدا في حدقة طفل

وعصفور بريش منخك

تلك هي الصورة التي باتت تؤرق روحها وامانيها وكل موجوداتها ، فالزمنية هنا ليست محددة بقدر ما هي امتداد منغرس في الوقت نفسه، حيث توق الشاعرة الى حياة جديدة غير التي كانت وآلت اليه الامور في حاضرها تجبرها على الانقياد لميلادات جديدة والطفولة هي التي ترمز لتلك الامتدادات المتجددة في رؤاها والتي تحاول ان تخرج من يأسها ووقع البراني عليها، حتى وان كانت ستتخذ مسارات غريبة لكنها في الاصل مسارات تعطي انفراجاً وحرية وحياة اخرى..

هذا الذي يتوسط بين ارض تكتمل بعشاقها

والمشهد الضيق بصرخة في اتجاه التوابيت الوردية

تلك هي المساحات التي تريد الشاعرة ان تخلقها في انصهارها الذاتي الشعري هنا، حيث الاتحاد والحلول بالتراب الذي يضم تحت انقاضه رفات ارواح من ارادوا للواقع وردياً لمن يأتوا من بعدهم دون ان يكون الدم والسواد هما ما يلونان الواقع، وبهذا تنتقل الالوان في مخيلة الشاعرة الى محاكاة الواقع" الوطن" و "الانسان"  الى لغة الروح بكل ما تتناوبها من اتكاءات المشاعر على حركة النفس التي تريد ان تتشكل من خلال الوانها ما يسجد رؤيتها وانفعالاتها وتوحدها بترابها وانسان وطنها على الرغم من ما في توظيفاتها اللونية من علامات تزخر بدلائل حياة مقهورة.

  

جوتيار تمر


- See more at: http://www.alnoor.se/article.asp?id=235721#sthash.NF7myXgw.dpuf 

اعتصرت الرؤية الاجهاضية التي تبنتها الشاعرة ضحى من خلال تماسها المباشر مع الواقع البراني الذي تمثل في هزات وعواصف ضربت شواطئ وطنها، فكانت الصبغة الانتمائية طاغية على نصوصها، وكان النفور من ما آلت اليه الاوضاع بمثابة جرح مزمن اصيب به روح الشاعرة، لاسيما انها عاشت مخاض التغيير والثورة التي ارادها الجميع نقطة انطلاق نحو افاق ابعد مما كانت عليه، وكأن الثورة القت بظلالها ومآسيها على روح الشاعرة فجرفتها الى مخاضاتها الموجعة،  وقد ظهرت تلك المخاضات من البدء حيث العنوان " صفقة مع الريح" وكأن مديات الواقع وتمفصلاته قد اوقعت شاعرتنا في حالة من الشك بما ستؤول اليه الاوضاع في وطنها بعدما تلاشى الامان وانتشر الموت المجاني في الشوارع، وتداخلت مضامين الساسة وطموحاتهم مع الحياة الاجتماعية البسيطة التي ارادها الناس بعد ثورتهم فاصبح لسان الحال يقول لقد عقدنا صفقة الحرية مع الريح، لذا نلامس هذا التفاعل الحي والوجداني والعقلي بين الذات الشاعرة وبين الاحداث البرانية، والتي تجلت في صور شعرية ماتعة ورؤى بلاغية ابدعت شاعرتنا في رسمها بالكلمات، ومع تلك المخاضات المتنوعة ظهر اللون كركيزة في الديوان بحيث وجدنا بانه قلما كتبت الشاعرة نصاً في ديوانها دون التطرق الى ماهية لون ما، او حتى الايحاء باللونية سواء كمدلول ايحائي او قصدي، ومن خلال هذه الدراسة النقدية سنحاول التوقف على مصاف اللونية في قصائد شاعرتنا:

لقد ارتكز المعجم اللوني  في ديوان صفقة مع الريح على التعددية اللونية التي يمكن رصد بعض ملامحها ضمن اطارين الاول يعتمد على القصدية كالسواد حيث ورد مرتين، والبياض اربع مرات، كما ورد كل من الاحمر والوردي والاخضر مرة واحدة، وورد النرجسي والفضي مرتين، والثاني الايحائية لاسيما في توظيف لفظة لون التي وردت في  عشر تشكيلات دلالية، بصيغ مختلفة مفردة وجامعة ومقترنة بلونية محددة كالبني والرمادي وبصيغ تشبيهية ايضاً، كما ان لفظة الحبر وردت بشكل واضح في نصوص ضحى وهي اشارة استدلالية يمكن التكهن باحتمالية لونية في بعض مضامينه اذا ما اسقطنا اللفظة على ماهية الكتابة التي وردت بها في اغلب الاحيان الا اننا سنكتفي بذكرها هنا دون البحث في ماوراء استخدامتها، واجمالا اتت اللونية  بدلالات قصدية وايحائية ضمن منظومة مركزة اعتمدت عليها الشاعرة لاغراض شعرية وتشكيلية مختلفة، حيث  يذهب د. دريد يحيى الخواجة الى "ان اللون في القصيدة لاياتي محايداً بل يكون نتيجة احساس في سياق النص، ودلالة ما لها تأثيرها العمق في حملة تجليات النص الخفية، كما انه يعتبر علامة في سياق التعبير الشعري نستكشف دوره في وحدة النص المركزية، وفي تفريعاته التي يردها الى بنية ارتباطاتها في تشكيل النص"،  وهذا ما نلمسه في توظيفات شاعرتنا للالوان بصورة عامة، فضلاً عن ذلك فان الالوان اتت كحراك موازي للذات الشاعرة ورؤاها التي تناسلت ونمت من واقعها سواء على المستوى الانتمائي ام الذاتي الشخصي، وفي كلا المستويين نلامس حراكاً موازيا لاستخدامات اللون بحيث تحقق رؤيتها دون ان تخرج النص من سياقه ونسقه الشعري الحداثي، وهذا ما يجعلنا نعي بان توظيف اللون في مثل هذه السياقات تعني على الارجح رسم صورة نصية مؤثرة. مثلما فعلت في اغلب نصوصها:

يتعبني البياض...تتعبني قبلة عاشق

 واغنية اخر الليل

فهذه الصورة المتجلية التي تعاكس المضمون الظاهري للرؤيا البصرية، باعتبار ان البياض دائما له تأثيره الايجابي والموحي بالسلام والامان، او حتى في الاستسلام، فانه هنا يؤدي دوره التضادي وببصيرة ووعي تام بموجبات المغايرة، لاسيما ان شاعرتنا تعمدت على ان يسبق الفعل المؤثر " يتعبني"  على البياض مما يوحي بعمق الهوة التي تعيشها الذات الشاعرة بحيث اصبح البياض كلون مؤثر بايجابية على الروح والنفس هنا لونا يشير على تعاسة الواقع البراني وصعوبته واحالة البياض الى لون منهك ومتعب على المستوى الدلالي الانتمائي والوجداني معاً وهذا ما يتضح لنا بصورة واضحة من خلال الحراك اللوني ذا التشعب التوظيفي والتشكيلي معاً، فالواقع المغاير الذي حول البياض الى ارهاق وتعب هو نفسه الذي يجعل من الذات تعيش الغربة والوحدة في حالتها الوجدانية، وهذا ما تؤكده الشاعرة في موضع اخر من ديوانها، حيث تبقي البياض ضمن دائرة التعب، والوحشة، والفتنة:

من متعب الى عاشق

يتقاذفه الاشتياق

وماء القلب المخضب بالوحشة والبياض

وهذيان الهواء و الفتنة

هذه التوهيمات البلاغية الدلالية التصويرية الفائقة تجعلنا نعيش واقع البياض الذي تصوره لنا الشاعرة بدقة وحرفية، على اننا نلامس في الصورة الثانية اكثر توحشاً واكثر جدلية في الاخذ بالبياض كلون محرك لتلك الرؤى التي تنادي وتؤمن بها شاعرتنا، فالوجدانية ان سبقت هنا اللونية الا انها كانت المدخل لتعطينا الصورة الاكثر تماساً مع الواقع التي تعيشه، حيث الفتنة التي الحقت الدمار بكل ما هو جميل من حولها جعلتها تضع البياض في خانة الالوان التي لم تعد تؤدي دورها في حياتها ورؤيتها، على الرغم من كونها حاولت ان تفتح للبياض فسحة وممراً للعودة في نص اخر، الا انها فسحة احتمالية تنتظر جيلاً اخراً يأتي ليدفن مخاضات البياض الذي لبس رداء الفتنة، فيعيش بروح الطفولة معبراً عن كينونته:

طفلة تلون الغابة ببياض اللهو

تختصر فيها صوفية العشق

وعلى هذا الاساس تنتظر الشاعرة ا ن ياتي جيل اخر " طفلة" لتلون الغابة ، الواقع المتحول الى خراب فتعيد بلهوها البريء العشق المفقود بروحية التصوف، أي الوحدة والاتحاد من جديد، وهذه الصورة بحد ذاتها تعطينا يقيناً بان الشاعرة لم تقع في اليأس المطلق انما لم تزل تعيش وقع امل ربما ليس بقريب ولكنه ليس بمستحيل، ولا يهم ان كان حلماً في الاساس لانه سيحمل في الاول والاخير لوناً ما يغير معالم الموجود، ولهذا نجدنا في نصوص كثيرة نعيش وقع اللونية بصورة مغايرة تماماً بحيث لاتعطينا الشاعرة لوناً  معرفياً محدداً الا من خلال السياق العام للفظة اللون نفسه، ولكنها في الاغلب مرهونة بحلم آت واخر مدفون او على وشك الدفن:

يمضي حلم

والجسد يزداد سوء في لون الغيوم

حلم يجيء يراق في دمه طفلة...

الحلمية هنا ليست توليفة وهمية، انما هي ارتباطية حسية ادراكية لمحركات الواقع والاحساس الداخلي للذات الشاعرة، فالحلم ان ظل في مساره سائراً، فانه قد يكون بلون ماء، وليس مستحيلاً ان يلبس لون الغيوم، وهذه الغيوم هي المحرك والفيصل في تحديد سياق اللون نفسه، لكون الغيوم عادة ماتكون سوداء، وفي سوداها احتمالية اخرى تفوق اللون نفسه باعتبارها تكون بردائها هذا ماطرة، ولهذا نجد الحلم يلبس الجسد والجسد يلبس لون الغيوم فتحرك مساحة الحلم لتراق في النهاية " طفلة" هذه المعادلة الصعبة في كل مستواياتها تتخذ من معبر لفظة اللون احتمالية مغايرة عن تلازمية اللون الاسود للغيوم، حتى ان الشاعرة نفسها تأتينا بصورة اخرى تعقب الامطار فتجعله مدخل للتمازج بين ماهية الامطار وماهية اللون البني" الترابي" هنا:

تتناوب عليه الامطار

ويغيب اللون البني وصغار الجن....

التعاقب الذي اولدته الشاعرة هنا، الامطار، اللون البني، صغار الجن، هو في تشكيله الظاهر يوحي بصورة مختصرة لوجودية الكائن الانساني، فاذا ماء جعلنا الصورة الرامزة هنا تحكي بمنطق ووعي سنجد بان الماء والتراب والحياة كعناصر اساسية للتكوين تراكمت معا لاينقصها الا النار ليصبح المشهد متكاملا لاسيما وانه مرهون بجذع النخلة  في قصيدة " مريم"   أي في الصورة الاساسية التي تأسست منها اشكالية التناوب، لهذا السبب ان الصورة التي تثبت اللونية هنا بتلازمية البني هو الاصل الترابي الذي توشك الشاعرة ان تعطيه شكل مغاير لكونه اصبح مرهوناً بمترتبات لاثبات لها على الرغم من تاريخيتها وعمقها في الوجود ...

منذ خطيئة في باطن حدقتي

وانا الهو بلون يثير شهيتي للغناء

حين نحدد جغرافية الوجود نعيدها في بعض الميثولوجيات الى الخطيئة، لكن هنا حتى لايكون الالتباس ممكنا نستقطع اداة التعريف عنها" خطيئة" لنوظفها ضمن اطارها الجغرافي المحدود جداً ف " حدقتي" لاتعطي احتمالات كثيرة خارجة عن نطاق الذات الشاعرة، لاسيما انها تلحقها ب" انا" حيث لامجال للتفكير خارج هذا الاطار المحدد، لكن هذا في الوقت نفسه لايعطي انطباعاً بامكانية التأويل الواحد لماهية " خطيئة" بل تعطينا مساحات تخيل غير محددة يمكن ان تتضمن خطيئة وجدانية او خطيئة انتمائية بالاخص ان الثانية هنا توشك ان تغطي اغلب المسامات الوجدانية والفكرية داخل الديوان فالانتماء له الاولوية في توظيفات شاعرتنا حتى وان كانت قد اتسمت بالكثير من الالم، ولعلي اغاير الصورة الظاهرة لشهية الغناء هنا باعتباره غناء من الصدمة الممهدة لتأويلات عميقة مرتبطة بصميم الحراك الشعري والشعوري:

الليل يرغمنا على التأويل

والالوان تتسع في القصيد وحلم الفقراء

هذا مانسميه قيمة الصورة الرامزة النابعة من الاحتمالية اللونية التي توظفها الشاعرة في ديوانها المبني اصلا على اساس توهيمي بلاغي تشكيلي، او بالاحرى امكانية طرح الافتراضية التي تحيل سيمائية اللون الى رمز له فاعليته الخاصة في بنية القصيدة ومسارها البلاغي التشكيلي، فبمجرد تأمل المشهد الليل المقترن بالتأويل ندرك وقتها ان الحالة تتخذ مساراً مغايراً ، لهذا تاتي لفظة" الالوان" هنا بدون قصدية تحديدية انما شمولية ايحائية تخترق بنية القصيدة ولاتقف عند حدودها الظاهرية بل تتعداها الى حلم الفقراء باعتبارهم هنا هم اساس الفعل الحدثي المقترن بتأويلية الليل، والمحرك للذات الشاعرة لرصد الحراك البراني المتيقن بما تؤول اليه الحالة نفسها طالما انها اقترنت بحلم الفقراء، وهذا بالتالي ما يحرك فيها دمها بدهشة من لم تتوقع ان تصبح الامور بهذا الشاكلة المغايرة للتصور...

يفيض دمي الملون بالدهشة

افتح للماء الناعم ذاكرة اخرى

عامل الدهشة هو المحرك الفعال في صيرورة " يفيض" لكون مترتبات السابق تعطي مساحات ممتلئة يمكن من خلالها ادارك ماهية " تفيض" بل احيانا توجبها لكمها الهائل، لكن ما يخلق الدهشة هو كون الدم اقترن هنا بلونية مستحدثة في تعبير عن كون ما يجري لاينتمي اليه، وهذا ما احال الذات الشاعرة الى توظيف الدهشة كمقترن استدلالي للونية الدم نفسه، فضلاً عن استحداث قرين اخر ينتمي الى الدم في تكوينه "الماء" وبنعت يبعث هو الاخر الى الدهشة " الناعم" باعتبار ان الماء لاينعت كما انه لاينتمي الى لونية اثباتية، لكن تلك التوظيفات اجمالاً اتت لتؤثث لعوالم ارداتنا الشاعرة ان نقيسها وفق معايير البراني المستحدث اصلا في فعله المؤثر بحيث يصبح الواقع غير الذي تم انتظاره، ولذلك تنشط الذاكرة فتصطدم بالموجود، مما يحيلها الى اللجوء بخلق ذاكرة اخرى غير التي امتئلت بتلك الصور، ولاج لان تفعل ذلك عليها ان تستند الى العاطفة هنا لايجاد معبر آمن لرؤاها وروحها ....

جربت ان ارتدي لون يديك

واتقاسم معك الخطوات حين تبتعد عنا الارض

هذه التوهيمة الصوفية هي قمة التأثر بالواقع البراني وقمة التأثر بمترتبات الحدث العام الذي اعطت صورة مغايرة تماما لما كانت الذات الشاعرة تنتظره،  فاضطرت الى خلق ذاكرة تعيد بعض الصور المعلقة في اللاوعي والتي اصلا كانت تنتظر استفاقة من الوعي لتكون جاهزة في اداء دورها الوجداني الانتمائي معاً، وهذه الصور وان اتت مغايرة للنسق العام للحراك التوظيفي اللوني السابق الا انها استكمال طبيعي للصيرورة الذاكراتية لدى الذات الشاعرة، وهي لاتتوقف بمجرد وصف الحالة المتاحة والفعالة آنياً انما هي استمرار لفعل كائن مؤثر على روحية الشاعرة وتنتظر من الواقع صورة تبعدها عن مترتبات الصفقة التي لم تكسب الروح الامان..

يسقط غصنك المنحني فوق غيم خفيف

يطفو من مخيلة ليلتك لون الروح الرمادي

فعل الاسقاط ليس بتعبير مجاني عبثي استخدمته الشاعرة لرسم ملامح شيء محدد، انما هي استعارة تبعث الدهشة المستكملة للدم الملون بالدهشة، فارتابط "يسقط" ب" غيم" ومن ثم ب " لون الروح الرمادي" تجعلنا نعيش وقع الرؤية بتجليات متباينة في احداثياتها التشكيلية واستنباطاتها التأويلية باعتبارها تثير تعددية تأويلية واضحة من حيث التناغم البنيوي للغة والرؤية معاً، وهي في الاصل اتت مكملة لاسقاطات لونية اخرى سابقة ولاحقة وظفتها الشاعرة لايصال الصورة بتقنية الدهشة التي اعتمدتها في جذب مكونات الصورة نفسها، على اعتبار ان رمادية الروح هنا ليست بامر طارئ انما هي امتداد للحراك السلبي البراني الذي اثر في كينونة الروح واخرجتها حتىذاكرتها الاخرى التي استعانت بها، ولهذا نجد بان الشاعرة تعيد رسم الصورة باللون الرمادي لكن هذه المرة تعيره للدم  " لم اكن قريبة مني لكن خفقة الدم خلف اللون الرمادي ،، تزيح الحلم في منتصف النعاس .."  وبتضاد مع الروح الصوفية التي حاولت قبل الان ان تلجأ اليها باعبتار ان الذاكرة الاخرى ايضا لم تستطع ان تستوعب مرتبات الواقع البراني فادخلت الروح في معترك الانفصام مع كينونتها ودمها واحلامها، وفي محاولة جادة من الذات الشاعرة ان تستوعب الموقف الاجمالي حاولت ان تستعين بصورة رامزة مؤثرة في بنية القصيدة ومعبرة عن الانتمائية المغايرة للصورة الظاهرة " الكف المرفوع كلون الشمس ..." هذا الكف يمكن تخيله يراود مقبض الباب بصورة مغايرة بعيدا عن التجسد السطحي، حيث يمكن ان تحيلنا الى ذلك الكف التي تريد تغيير الواقع دون ان تلجأ مضطرة الى مغادرة جغرافيتها، وهي بذلك تؤثث لون الشمس كمدخل استعلائي لتلك الكف المطالبة بحق وجودها وحق الابقاء على محصلات الفكر القائم من اجل تغيير الواقع وليس من اجل صور وهمية تحاول طفلة ما ان تغير ملامحها بلهوها البريء وهي في الاصل تلهو في الغابة، وهذا ما جعلت الشاعرة تدخل معترك التساؤلات لتخرج من تجويفاتها الحلمية المنغلقة على اثارة اللونية كمنطلق اساس للتصوير والسؤال وفجر اخر..

من وضح الحلم اكتبه واراهن الحياة بصورة وسؤال

ثم ادخل الصحو بالوان تستكمل بهاء الفجر

يقدم لنا هذه الصورة في سيمائية اللون شيئاً مختلفا من حيث الاسيقة الشعرية السابقة باعتباره هنا يمنطق تلك المسارات من اجل استحداث نمط وجودي اخر، لهذا نلامس فيه اختلاق صحوة فعلية في التشكيلات البلاغية  للفظة " اللون " التي اعتمدتها الشاعرة بحيث اصبحت هنا اكثر نضجا من حيث الفكرة التي اراها تتكئ على ما تثار من احتمالات المعنى وتنسج علاقات منتظرة، في كينوتها وهذا ما يمكن ملامسته من تغير البنية اللغوية في توضيحاتها الدلالية الموظفة ضمن الاطار الحلمي، فمن احلام مسكونة بتعبية الواقع نجدها تنطلق من الحلم نفسه لايصال رؤاها المتقدة والتي تبدأ بالكتابة كايحاء بالبدء او بداية جديدة، ومراهنة الحياة من حلال معتركه الاكثر ايحاءً التصوير والتساؤال وكل هذا من اجل اثبات الرؤية التي تستحق المحاولة بنظر الشاعرة والتي من خلال تدخل الصحو بالوان اخرى غير التي سبقت وان اجهضت امانيها بواقع مغاير وجديد لاسيما بعد الصفقة الاكبر في تاريخها، صحو فيه فجر مكتمل،، وعلى الرغم من ان الشاعرة نفسها تعي صعوبة الامر الا انها اغتنمت تلك الصحوة في ذاتها لتعبر عنها بشفافية لونية واضحة وذلك لكون ان قلبها لم يزل محملاً بالكثير من الاماني..

وكان قلبي يحمل خضرة قميصي وحرية العبارة..

تلك هي النقطة التي تنطلق منها عبارتها المحملة بالكثير من الاماني  علها ترسو على شواطئ الحرية المنشودة والتي من اجلها كانت الصفقة الاهم في تاريخ وجودها، ولذلك نجدها تغاير النسق العام لاستخداماتها اللونية فتأتي هنا ب" خضرة" كمدلول واضح لاهمية الترابط الزمكاني في نصوصها الناقلة لواقع الانتمائي من جهة، ولتصوراتها لذلك الواقع بعد التغيير من جهة اخرى، والاعتمالات التي تريد ان تؤثث عوالمها القصية كمدخل مغاير لما كان ولما هو الان، فلتجأ الشاعرة من اجل تفعيل تلك الرؤى الى محددات لونية واضحة ومسميات اقترانية تفيض الاحتمالية مثلما نجدها في هذه الايقونة" هنا نرجسة تحت سماء تحوم في فضاء لايرى" و في " تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة.." وفي " نشتهي الفاكهة في الجمر .. نعبر النرجس الشبقي.."، نجد في هذه الالتقاطات سواء من حيث تكرار اللون او تلازميتها لمقترنات ذات دلالات انتمائية واخرى وجدانية صوفية، علاقة متينة بالصياغة التي قد لاتلتزم بالتوجه الى توظيف الدلالات اللونية مباشرة بل تعمل على صياغتها وفق معطيات متداخلة يحفز وتنشط الكشف والتحليل، وبلاشك يعد هذا من احدى مرتكزات النص الشعري الحداثي الذي يحتفي بالمغايرة في اسستثمار اللونية وجمالياتها في تشكيل النص وفي  مكوناته، فلكل من " الفضة" و"نرجسة" سياقاتها المحددة ضمن اجمالي النسق الشعري النصيي الحداثي هنا، مما يحيلنا بالتالي الى استقدامات تلازمية اخرى يمكن من خلالها صياغة الرؤيا الاجمالية لهذه الالتقاطات اللونية ذمن مسمياتها وجغرافيتها، وعلى هذا الاساس يلزمنا تتبع خطاها لمعرفة منطقها المخصوص لاسيما انها تكررت في مواضع اخرى بدلالات وصور يستنبط منها توحشاً كما في" وهم يقتسمون حلمك..يفتحون قميصك الفضي للريح..." فهذه الصورة المتوحشة والتي تنقل بجدلية واضحة الواقع العياني الذي بات يعيشه الانسان في وطنها يجعلنا نعيش وقع قولها تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة من قبل، وهي الصورة المتوحشة نفسها التي جعلت منها تقحم وربما لاول مرة الاحمر في مقتضيات رؤيتها حين تقول " يتمدد في العراء كذئب... ثم يختض.. يحمر ويغدو قبيلة بين جمر وحصى..." ان هذه الرؤية المتوحشة التي تعطي  صورة الواقع الانساني في وطنها تبهر وتثير الدهشة فهذه التراكيب قلما تجتمع في نص ابداعي حداثي لكونها تراكيب يمكن ان توظف ضمن سياقات تضادية مغايرة في بناها الشعرية القصدية منها والايحائية، ولكن الشاعرة وبثقة وظفتها لتعطينا موقفها من جهة، وتصويرها للواقع من جهة اخرى، وتنبأها للمستقبل كرؤية مستقلة باعثة على التأمل فهذا التناسل الذئبي لاياتي  لينثر عبق الورد في الواقع انما سيخلق ممرات ومساحات دم لانهاية لها..وعلى ايقاع الدم يختمر رؤاها لتحول الحلم المجهض في البداية والباحث عن انتفاضة في وقت ما الى الالتجاء للسواد كمعبر عن هويته الجديدة..

كنت وحدي اعبث بالفيض

انسخ الفجر على لوح الحلم...واذرع السواد

كنت اصبغ الليل بخلوته..

تنوعت سياقات اللون في نصوص شاعرتنا حتى انها اعتمدت الكثير من الاعتمالات بشقيها الاملية واليأسية الا انها اجمالا انتهجت التعبير عن مكنونها الذاتي الشخصي وموقفها تجاه البراني " الوطن" ضمن نسق متصاعد، حتى اصبح تنبأ بما لايمكن تصوره بسهولة، ولهذا نجدها تنبهنا الى نقطة الحسم في كونها لاتاتي برؤاها من فراغ وانها تتحمل مسؤولية ما تقوله فعبثها بالفيض لاياتي اعتباطيا انما من قناعتها وادراكها بالموجودات والمؤثرات التي تفيض عليها من كل صوب فتجعلها تارة تعيش وقع الحلم المجهض وتارة وقع الحلم المتمرد على الواقع والباحث عن بداية جديدة، وتارة اخرى عن الحلم الذي يكاد يتم وأده دون ان يحفظ للفجر من مساحة، فتأتي التقاطاتها الشعرية موحية بتفنن ووعي لتضفي على الايقاع الجواني حتمية التمازج بينه وبين البراني، وهذا ما يجعلها في كل مرة تصل الى هذا اليأس ان تتخذ من الطفولة ممرا لفتح ممرات جديد على الرغم من توارثها للسواد..

سماء البارحة هي نفسها

سوداء جدا في حدقة طفل

وعصفور بريش منخك

تلك هي الصورة التي باتت تؤرق روحها وامانيها وكل موجوداتها ، فالزمنية هنا ليست محددة بقدر ما هي امتداد منغرس في الوقت نفسه، حيث توق الشاعرة الى حياة جديدة غير التي كانت وآلت اليه الامور في حاضرها تجبرها على الانقياد لميلادات جديدة والطفولة هي التي ترمز لتلك الامتدادات المتجددة في رؤاها والتي تحاول ان تخرج من يأسها ووقع البراني عليها، حتى وان كانت ستتخذ مسارات غريبة لكنها في الاصل مسارات تعطي انفراجاً وحرية وحياة اخرى..

هذا الذي يتوسط بين ارض تكتمل بعشاقها

والمشهد الضيق بصرخة في اتجاه التوابيت الوردية

تلك هي المساحات التي تريد الشاعرة ان تخلقها في انصهارها الذاتي الشعري هنا، حيث الاتحاد والحلول بالتراب الذي يضم تحت انقاضه رفات ارواح من ارادوا للواقع وردياً لمن يأتوا من بعدهم دون ان يكون الدم والسواد هما ما يلونان الواقع، وبهذا تنتقل الالوان في مخيلة الشاعرة الى محاكاة الواقع" الوطن" و "الانسان"  الى لغة الروح بكل ما تتناوبها من اتكاءات المشاعر على حركة النفس التي تريد ان تتشكل من خلال الوانها ما يسجد رؤيتها وانفعالاتها وتوحدها بترابها وانسان وطنها على الرغم من ما في توظيفاتها اللونية من علامات تزخر بدلائل حياة مقهورة.

  

جوتيار تمر


- See more at: http://www.alnoor.se/article.asp?id=235721#sthash.NF7myXgw.dpuf

اعتصرت الرؤية الاجهاضية التي تبنتها الشاعرة ضحى من خلال تماسها المباشر مع الواقع البراني الذي تمثل في هزات وعواصف ضربت شواطئ وطنها، فكانت الصبغة الانتمائية طاغية على نصوصها، وكان النفور من ما آلت اليه الاوضاع بمثابة جرح مزمن اصيب به روح الشاعرة، لاسيما انها عاشت مخاض التغيير والثورة التي ارادها الجميع نقطة انطلاق نحو افاق ابعد مما كانت عليه، وكأن الثورة القت بظلالها ومآسيها على روح الشاعرة فجرفتها الى مخاضاتها الموجعة،  وقد ظهرت تلك المخاضات من البدء حيث العنوان " صفقة مع الريح" وكأن مديات الواقع وتمفصلاته قد اوقعت شاعرتنا في حالة من الشك بما ستؤول اليه الاوضاع في وطنها بعدما تلاشى الامان وانتشر الموت المجاني في الشوارع، وتداخلت مضامين الساسة وطموحاتهم مع الحياة الاجتماعية البسيطة التي ارادها الناس بعد ثورتهم فاصبح لسان الحال يقول لقد عقدنا صفقة الحرية مع الريح، لذا نلامس هذا التفاعل الحي والوجداني والعقلي بين الذات الشاعرة وبين الاحداث البرانية، والتي تجلت في صور شعرية ماتعة ورؤى بلاغية ابدعت شاعرتنا في رسمها بالكلمات، ومع تلك المخاضات المتنوعة ظهر اللون كركيزة في الديوان بحيث وجدنا بانه قلما كتبت الشاعرة نصاً في ديوانها دون التطرق الى ماهية لون ما، او حتى الايحاء باللونية سواء كمدلول ايحائي او قصدي، ومن خلال هذه الدراسة النقدية سنحاول التوقف على مصاف اللونية في قصائد شاعرتنا:

لقد ارتكز المعجم اللوني  في ديوان صفقة مع الريح على التعددية اللونية التي يمكن رصد بعض ملامحها ضمن اطارين الاول يعتمد على القصدية كالسواد حيث ورد مرتين، والبياض اربع مرات، كما ورد كل من الاحمر والوردي والاخضر مرة واحدة، وورد النرجسي والفضي مرتين، والثاني الايحائية لاسيما في توظيف لفظة لون التي وردت في  عشر تشكيلات دلالية، بصيغ مختلفة مفردة وجامعة ومقترنة بلونية محددة كالبني والرمادي وبصيغ تشبيهية ايضاً، كما ان لفظة الحبر وردت بشكل واضح في نصوص ضحى وهي اشارة استدلالية يمكن التكهن باحتمالية لونية في بعض مضامينه اذا ما اسقطنا اللفظة على ماهية الكتابة التي وردت بها في اغلب الاحيان الا اننا سنكتفي بذكرها هنا دون البحث في ماوراء استخدامتها، واجمالا اتت اللونية  بدلالات قصدية وايحائية ضمن منظومة مركزة اعتمدت عليها الشاعرة لاغراض شعرية وتشكيلية مختلفة، حيث  يذهب د. دريد يحيى الخواجة الى "ان اللون في القصيدة لاياتي محايداً بل يكون نتيجة احساس في سياق النص، ودلالة ما لها تأثيرها العمق في حملة تجليات النص الخفية، كما انه يعتبر علامة في سياق التعبير الشعري نستكشف دوره في وحدة النص المركزية، وفي تفريعاته التي يردها الى بنية ارتباطاتها في تشكيل النص"،  وهذا ما نلمسه في توظيفات شاعرتنا للالوان بصورة عامة، فضلاً عن ذلك فان الالوان اتت كحراك موازي للذات الشاعرة ورؤاها التي تناسلت ونمت من واقعها سواء على المستوى الانتمائي ام الذاتي الشخصي، وفي كلا المستويين نلامس حراكاً موازيا لاستخدامات اللون بحيث تحقق رؤيتها دون ان تخرج النص من سياقه ونسقه الشعري الحداثي، وهذا ما يجعلنا نعي بان توظيف اللون في مثل هذه السياقات تعني على الارجح رسم صورة نصية مؤثرة. مثلما فعلت في اغلب نصوصها:

يتعبني البياض...تتعبني قبلة عاشق

 واغنية اخر الليل

فهذه الصورة المتجلية التي تعاكس المضمون الظاهري للرؤيا البصرية، باعتبار ان البياض دائما له تأثيره الايجابي والموحي بالسلام والامان، او حتى في الاستسلام، فانه هنا يؤدي دوره التضادي وببصيرة ووعي تام بموجبات المغايرة، لاسيما ان شاعرتنا تعمدت على ان يسبق الفعل المؤثر " يتعبني"  على البياض مما يوحي بعمق الهوة التي تعيشها الذات الشاعرة بحيث اصبح البياض كلون مؤثر بايجابية على الروح والنفس هنا لونا يشير على تعاسة الواقع البراني وصعوبته واحالة البياض الى لون منهك ومتعب على المستوى الدلالي الانتمائي والوجداني معاً وهذا ما يتضح لنا بصورة واضحة من خلال الحراك اللوني ذا التشعب التوظيفي والتشكيلي معاً، فالواقع المغاير الذي حول البياض الى ارهاق وتعب هو نفسه الذي يجعل من الذات تعيش الغربة والوحدة في حالتها الوجدانية، وهذا ما تؤكده الشاعرة في موضع اخر من ديوانها، حيث تبقي البياض ضمن دائرة التعب، والوحشة، والفتنة:

من متعب الى عاشق

يتقاذفه الاشتياق

وماء القلب المخضب بالوحشة والبياض

وهذيان الهواء و الفتنة

هذه التوهيمات البلاغية الدلالية التصويرية الفائقة تجعلنا نعيش واقع البياض الذي تصوره لنا الشاعرة بدقة وحرفية، على اننا نلامس في الصورة الثانية اكثر توحشاً واكثر جدلية في الاخذ بالبياض كلون محرك لتلك الرؤى التي تنادي وتؤمن بها شاعرتنا، فالوجدانية ان سبقت هنا اللونية الا انها كانت المدخل لتعطينا الصورة الاكثر تماساً مع الواقع التي تعيشه، حيث الفتنة التي الحقت الدمار بكل ما هو جميل من حولها جعلتها تضع البياض في خانة الالوان التي لم تعد تؤدي دورها في حياتها ورؤيتها، على الرغم من كونها حاولت ان تفتح للبياض فسحة وممراً للعودة في نص اخر، الا انها فسحة احتمالية تنتظر جيلاً اخراً يأتي ليدفن مخاضات البياض الذي لبس رداء الفتنة، فيعيش بروح الطفولة معبراً عن كينونته:

طفلة تلون الغابة ببياض اللهو

تختصر فيها صوفية العشق

وعلى هذا الاساس تنتظر الشاعرة ا ن ياتي جيل اخر " طفلة" لتلون الغابة ، الواقع المتحول الى خراب فتعيد بلهوها البريء العشق المفقود بروحية التصوف، أي الوحدة والاتحاد من جديد، وهذه الصورة بحد ذاتها تعطينا يقيناً بان الشاعرة لم تقع في اليأس المطلق انما لم تزل تعيش وقع امل ربما ليس بقريب ولكنه ليس بمستحيل، ولا يهم ان كان حلماً في الاساس لانه سيحمل في الاول والاخير لوناً ما يغير معالم الموجود، ولهذا نجدنا في نصوص كثيرة نعيش وقع اللونية بصورة مغايرة تماماً بحيث لاتعطينا الشاعرة لوناً  معرفياً محدداً الا من خلال السياق العام للفظة اللون نفسه، ولكنها في الاغلب مرهونة بحلم آت واخر مدفون او على وشك الدفن:

يمضي حلم

والجسد يزداد سوء في لون الغيوم

حلم يجيء يراق في دمه طفلة...

الحلمية هنا ليست توليفة وهمية، انما هي ارتباطية حسية ادراكية لمحركات الواقع والاحساس الداخلي للذات الشاعرة، فالحلم ان ظل في مساره سائراً، فانه قد يكون بلون ماء، وليس مستحيلاً ان يلبس لون الغيوم، وهذه الغيوم هي المحرك والفيصل في تحديد سياق اللون نفسه، لكون الغيوم عادة ماتكون سوداء، وفي سوداها احتمالية اخرى تفوق اللون نفسه باعتبارها تكون بردائها هذا ماطرة، ولهذا نجد الحلم يلبس الجسد والجسد يلبس لون الغيوم فتحرك مساحة الحلم لتراق في النهاية " طفلة" هذه المعادلة الصعبة في كل مستواياتها تتخذ من معبر لفظة اللون احتمالية مغايرة عن تلازمية اللون الاسود للغيوم، حتى ان الشاعرة نفسها تأتينا بصورة اخرى تعقب الامطار فتجعله مدخل للتمازج بين ماهية الامطار وماهية اللون البني" الترابي" هنا:

تتناوب عليه الامطار

ويغيب اللون البني وصغار الجن....

التعاقب الذي اولدته الشاعرة هنا، الامطار، اللون البني، صغار الجن، هو في تشكيله الظاهر يوحي بصورة مختصرة لوجودية الكائن الانساني، فاذا ماء جعلنا الصورة الرامزة هنا تحكي بمنطق ووعي سنجد بان الماء والتراب والحياة كعناصر اساسية للتكوين تراكمت معا لاينقصها الا النار ليصبح المشهد متكاملا لاسيما وانه مرهون بجذع النخلة  في قصيدة " مريم"   أي في الصورة الاساسية التي تأسست منها اشكالية التناوب، لهذا السبب ان الصورة التي تثبت اللونية هنا بتلازمية البني هو الاصل الترابي الذي توشك الشاعرة ان تعطيه شكل مغاير لكونه اصبح مرهوناً بمترتبات لاثبات لها على الرغم من تاريخيتها وعمقها في الوجود ...

منذ خطيئة في باطن حدقتي

وانا الهو بلون يثير شهيتي للغناء

حين نحدد جغرافية الوجود نعيدها في بعض الميثولوجيات الى الخطيئة، لكن هنا حتى لايكون الالتباس ممكنا نستقطع اداة التعريف عنها" خطيئة" لنوظفها ضمن اطارها الجغرافي المحدود جداً ف " حدقتي" لاتعطي احتمالات كثيرة خارجة عن نطاق الذات الشاعرة، لاسيما انها تلحقها ب" انا" حيث لامجال للتفكير خارج هذا الاطار المحدد، لكن هذا في الوقت نفسه لايعطي انطباعاً بامكانية التأويل الواحد لماهية " خطيئة" بل تعطينا مساحات تخيل غير محددة يمكن ان تتضمن خطيئة وجدانية او خطيئة انتمائية بالاخص ان الثانية هنا توشك ان تغطي اغلب المسامات الوجدانية والفكرية داخل الديوان فالانتماء له الاولوية في توظيفات شاعرتنا حتى وان كانت قد اتسمت بالكثير من الالم، ولعلي اغاير الصورة الظاهرة لشهية الغناء هنا باعتباره غناء من الصدمة الممهدة لتأويلات عميقة مرتبطة بصميم الحراك الشعري والشعوري:

الليل يرغمنا على التأويل

والالوان تتسع في القصيد وحلم الفقراء

هذا مانسميه قيمة الصورة الرامزة النابعة من الاحتمالية اللونية التي توظفها الشاعرة في ديوانها المبني اصلا على اساس توهيمي بلاغي تشكيلي، او بالاحرى امكانية طرح الافتراضية التي تحيل سيمائية اللون الى رمز له فاعليته الخاصة في بنية القصيدة ومسارها البلاغي التشكيلي، فبمجرد تأمل المشهد الليل المقترن بالتأويل ندرك وقتها ان الحالة تتخذ مساراً مغايراً ، لهذا تاتي لفظة" الالوان" هنا بدون قصدية تحديدية انما شمولية ايحائية تخترق بنية القصيدة ولاتقف عند حدودها الظاهرية بل تتعداها الى حلم الفقراء باعتبارهم هنا هم اساس الفعل الحدثي المقترن بتأويلية الليل، والمحرك للذات الشاعرة لرصد الحراك البراني المتيقن بما تؤول اليه الحالة نفسها طالما انها اقترنت بحلم الفقراء، وهذا بالتالي ما يحرك فيها دمها بدهشة من لم تتوقع ان تصبح الامور بهذا الشاكلة المغايرة للتصور...

يفيض دمي الملون بالدهشة

افتح للماء الناعم ذاكرة اخرى

عامل الدهشة هو المحرك الفعال في صيرورة " يفيض" لكون مترتبات السابق تعطي مساحات ممتلئة يمكن من خلالها ادارك ماهية " تفيض" بل احيانا توجبها لكمها الهائل، لكن ما يخلق الدهشة هو كون الدم اقترن هنا بلونية مستحدثة في تعبير عن كون ما يجري لاينتمي اليه، وهذا ما احال الذات الشاعرة الى توظيف الدهشة كمقترن استدلالي للونية الدم نفسه، فضلاً عن استحداث قرين اخر ينتمي الى الدم في تكوينه "الماء" وبنعت يبعث هو الاخر الى الدهشة " الناعم" باعتبار ان الماء لاينعت كما انه لاينتمي الى لونية اثباتية، لكن تلك التوظيفات اجمالاً اتت لتؤثث لعوالم ارداتنا الشاعرة ان نقيسها وفق معايير البراني المستحدث اصلا في فعله المؤثر بحيث يصبح الواقع غير الذي تم انتظاره، ولذلك تنشط الذاكرة فتصطدم بالموجود، مما يحيلها الى اللجوء بخلق ذاكرة اخرى غير التي امتئلت بتلك الصور، ولاج لان تفعل ذلك عليها ان تستند الى العاطفة هنا لايجاد معبر آمن لرؤاها وروحها ....

جربت ان ارتدي لون يديك

واتقاسم معك الخطوات حين تبتعد عنا الارض

هذه التوهيمة الصوفية هي قمة التأثر بالواقع البراني وقمة التأثر بمترتبات الحدث العام الذي اعطت صورة مغايرة تماما لما كانت الذات الشاعرة تنتظره،  فاضطرت الى خلق ذاكرة تعيد بعض الصور المعلقة في اللاوعي والتي اصلا كانت تنتظر استفاقة من الوعي لتكون جاهزة في اداء دورها الوجداني الانتمائي معاً، وهذه الصور وان اتت مغايرة للنسق العام للحراك التوظيفي اللوني السابق الا انها استكمال طبيعي للصيرورة الذاكراتية لدى الذات الشاعرة، وهي لاتتوقف بمجرد وصف الحالة المتاحة والفعالة آنياً انما هي استمرار لفعل كائن مؤثر على روحية الشاعرة وتنتظر من الواقع صورة تبعدها عن مترتبات الصفقة التي لم تكسب الروح الامان..

يسقط غصنك المنحني فوق غيم خفيف

يطفو من مخيلة ليلتك لون الروح الرمادي

فعل الاسقاط ليس بتعبير مجاني عبثي استخدمته الشاعرة لرسم ملامح شيء محدد، انما هي استعارة تبعث الدهشة المستكملة للدم الملون بالدهشة، فارتابط "يسقط" ب" غيم" ومن ثم ب " لون الروح الرمادي" تجعلنا نعيش وقع الرؤية بتجليات متباينة في احداثياتها التشكيلية واستنباطاتها التأويلية باعتبارها تثير تعددية تأويلية واضحة من حيث التناغم البنيوي للغة والرؤية معاً، وهي في الاصل اتت مكملة لاسقاطات لونية اخرى سابقة ولاحقة وظفتها الشاعرة لايصال الصورة بتقنية الدهشة التي اعتمدتها في جذب مكونات الصورة نفسها، على اعتبار ان رمادية الروح هنا ليست بامر طارئ انما هي امتداد للحراك السلبي البراني الذي اثر في كينونة الروح واخرجتها حتىذاكرتها الاخرى التي استعانت بها، ولهذا نجد بان الشاعرة تعيد رسم الصورة باللون الرمادي لكن هذه المرة تعيره للدم  " لم اكن قريبة مني لكن خفقة الدم خلف اللون الرمادي ،، تزيح الحلم في منتصف النعاس .."  وبتضاد مع الروح الصوفية التي حاولت قبل الان ان تلجأ اليها باعبتار ان الذاكرة الاخرى ايضا لم تستطع ان تستوعب مرتبات الواقع البراني فادخلت الروح في معترك الانفصام مع كينونتها ودمها واحلامها، وفي محاولة جادة من الذات الشاعرة ان تستوعب الموقف الاجمالي حاولت ان تستعين بصورة رامزة مؤثرة في بنية القصيدة ومعبرة عن الانتمائية المغايرة للصورة الظاهرة " الكف المرفوع كلون الشمس ..." هذا الكف يمكن تخيله يراود مقبض الباب بصورة مغايرة بعيدا عن التجسد السطحي، حيث يمكن ان تحيلنا الى ذلك الكف التي تريد تغيير الواقع دون ان تلجأ مضطرة الى مغادرة جغرافيتها، وهي بذلك تؤثث لون الشمس كمدخل استعلائي لتلك الكف المطالبة بحق وجودها وحق الابقاء على محصلات الفكر القائم من اجل تغيير الواقع وليس من اجل صور وهمية تحاول طفلة ما ان تغير ملامحها بلهوها البريء وهي في الاصل تلهو في الغابة، وهذا ما جعلت الشاعرة تدخل معترك التساؤلات لتخرج من تجويفاتها الحلمية المنغلقة على اثارة اللونية كمنطلق اساس للتصوير والسؤال وفجر اخر..

من وضح الحلم اكتبه واراهن الحياة بصورة وسؤال

ثم ادخل الصحو بالوان تستكمل بهاء الفجر

يقدم لنا هذه الصورة في سيمائية اللون شيئاً مختلفا من حيث الاسيقة الشعرية السابقة باعتباره هنا يمنطق تلك المسارات من اجل استحداث نمط وجودي اخر، لهذا نلامس فيه اختلاق صحوة فعلية في التشكيلات البلاغية  للفظة " اللون " التي اعتمدتها الشاعرة بحيث اصبحت هنا اكثر نضجا من حيث الفكرة التي اراها تتكئ على ما تثار من احتمالات المعنى وتنسج علاقات منتظرة، في كينوتها وهذا ما يمكن ملامسته من تغير البنية اللغوية في توضيحاتها الدلالية الموظفة ضمن الاطار الحلمي، فمن احلام مسكونة بتعبية الواقع نجدها تنطلق من الحلم نفسه لايصال رؤاها المتقدة والتي تبدأ بالكتابة كايحاء بالبدء او بداية جديدة، ومراهنة الحياة من حلال معتركه الاكثر ايحاءً التصوير والتساؤال وكل هذا من اجل اثبات الرؤية التي تستحق المحاولة بنظر الشاعرة والتي من خلال تدخل الصحو بالوان اخرى غير التي سبقت وان اجهضت امانيها بواقع مغاير وجديد لاسيما بعد الصفقة الاكبر في تاريخها، صحو فيه فجر مكتمل،، وعلى الرغم من ان الشاعرة نفسها تعي صعوبة الامر الا انها اغتنمت تلك الصحوة في ذاتها لتعبر عنها بشفافية لونية واضحة وذلك لكون ان قلبها لم يزل محملاً بالكثير من الاماني..

وكان قلبي يحمل خضرة قميصي وحرية العبارة..

تلك هي النقطة التي تنطلق منها عبارتها المحملة بالكثير من الاماني  علها ترسو على شواطئ الحرية المنشودة والتي من اجلها كانت الصفقة الاهم في تاريخ وجودها، ولذلك نجدها تغاير النسق العام لاستخداماتها اللونية فتأتي هنا ب" خضرة" كمدلول واضح لاهمية الترابط الزمكاني في نصوصها الناقلة لواقع الانتمائي من جهة، ولتصوراتها لذلك الواقع بعد التغيير من جهة اخرى، والاعتمالات التي تريد ان تؤثث عوالمها القصية كمدخل مغاير لما كان ولما هو الان، فلتجأ الشاعرة من اجل تفعيل تلك الرؤى الى محددات لونية واضحة ومسميات اقترانية تفيض الاحتمالية مثلما نجدها في هذه الايقونة" هنا نرجسة تحت سماء تحوم في فضاء لايرى" و في " تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة.." وفي " نشتهي الفاكهة في الجمر .. نعبر النرجس الشبقي.."، نجد في هذه الالتقاطات سواء من حيث تكرار اللون او تلازميتها لمقترنات ذات دلالات انتمائية واخرى وجدانية صوفية، علاقة متينة بالصياغة التي قد لاتلتزم بالتوجه الى توظيف الدلالات اللونية مباشرة بل تعمل على صياغتها وفق معطيات متداخلة يحفز وتنشط الكشف والتحليل، وبلاشك يعد هذا من احدى مرتكزات النص الشعري الحداثي الذي يحتفي بالمغايرة في اسستثمار اللونية وجمالياتها في تشكيل النص وفي  مكوناته، فلكل من " الفضة" و"نرجسة" سياقاتها المحددة ضمن اجمالي النسق الشعري النصيي الحداثي هنا، مما يحيلنا بالتالي الى استقدامات تلازمية اخرى يمكن من خلالها صياغة الرؤيا الاجمالية لهذه الالتقاطات اللونية ذمن مسمياتها وجغرافيتها، وعلى هذا الاساس يلزمنا تتبع خطاها لمعرفة منطقها المخصوص لاسيما انها تكررت في مواضع اخرى بدلالات وصور يستنبط منها توحشاً كما في" وهم يقتسمون حلمك..يفتحون قميصك الفضي للريح..." فهذه الصورة المتوحشة والتي تنقل بجدلية واضحة الواقع العياني الذي بات يعيشه الانسان في وطنها يجعلنا نعيش وقع قولها تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة من قبل، وهي الصورة المتوحشة نفسها التي جعلت منها تقحم وربما لاول مرة الاحمر في مقتضيات رؤيتها حين تقول " يتمدد في العراء كذئب... ثم يختض.. يحمر ويغدو قبيلة بين جمر وحصى..." ان هذه الرؤية المتوحشة التي تعطي  صورة الواقع الانساني في وطنها تبهر وتثير الدهشة فهذه التراكيب قلما تجتمع في نص ابداعي حداثي لكونها تراكيب يمكن ان توظف ضمن سياقات تضادية مغايرة في بناها الشعرية القصدية منها والايحائية، ولكن الشاعرة وبثقة وظفتها لتعطينا موقفها من جهة، وتصويرها للواقع من جهة اخرى، وتنبأها للمستقبل كرؤية مستقلة باعثة على التأمل فهذا التناسل الذئبي لاياتي  لينثر عبق الورد في الواقع انما سيخلق ممرات ومساحات دم لانهاية لها..وعلى ايقاع الدم يختمر رؤاها لتحول الحلم المجهض في البداية والباحث عن انتفاضة في وقت ما الى الالتجاء للسواد كمعبر عن هويته الجديدة..

كنت وحدي اعبث بالفيض

انسخ الفجر على لوح الحلم...واذرع السواد

كنت اصبغ الليل بخلوته..

تنوعت سياقات اللون في نصوص شاعرتنا حتى انها اعتمدت الكثير من الاعتمالات بشقيها الاملية واليأسية الا انها اجمالا انتهجت التعبير عن مكنونها الذاتي الشخصي وموقفها تجاه البراني " الوطن" ضمن نسق متصاعد، حتى اصبح تنبأ بما لايمكن تصوره بسهولة، ولهذا نجدها تنبهنا الى نقطة الحسم في كونها لاتاتي برؤاها من فراغ وانها تتحمل مسؤولية ما تقوله فعبثها بالفيض لاياتي اعتباطيا انما من قناعتها وادراكها بالموجودات والمؤثرات التي تفيض عليها من كل صوب فتجعلها تارة تعيش وقع الحلم المجهض وتارة وقع الحلم المتمرد على الواقع والباحث عن بداية جديدة، وتارة اخرى عن الحلم الذي يكاد يتم وأده دون ان يحفظ للفجر من مساحة، فتأتي التقاطاتها الشعرية موحية بتفنن ووعي لتضفي على الايقاع الجواني حتمية التمازج بينه وبين البراني، وهذا ما يجعلها في كل مرة تصل الى هذا اليأس ان تتخذ من الطفولة ممرا لفتح ممرات جديد على الرغم من توارثها للسواد..

سماء البارحة هي نفسها

سوداء جدا في حدقة طفل

وعصفور بريش منخك

تلك هي الصورة التي باتت تؤرق روحها وامانيها وكل موجوداتها ، فالزمنية هنا ليست محددة بقدر ما هي امتداد منغرس في الوقت نفسه، حيث توق الشاعرة الى حياة جديدة غير التي كانت وآلت اليه الامور في حاضرها تجبرها على الانقياد لميلادات جديدة والطفولة هي التي ترمز لتلك الامتدادات المتجددة في رؤاها والتي تحاول ان تخرج من يأسها ووقع البراني عليها، حتى وان كانت ستتخذ مسارات غريبة لكنها في الاصل مسارات تعطي انفراجاً وحرية وحياة اخرى..

هذا الذي يتوسط بين ارض تكتمل بعشاقها

والمشهد الضيق بصرخة في اتجاه التوابيت الوردية

تلك هي المساحات التي تريد الشاعرة ان تخلقها في انصهارها الذاتي الشعري هنا، حيث الاتحاد والحلول بالتراب الذي يضم تحت انقاضه رفات ارواح من ارادوا للواقع وردياً لمن يأتوا من بعدهم دون ان يكون الدم والسواد هما ما يلونان الواقع، وبهذا تنتقل الالوان في مخيلة الشاعرة الى محاكاة الواقع" الوطن" و "الانسان"  الى لغة الروح بكل ما تتناوبها من اتكاءات المشاعر على حركة النفس التي تريد ان تتشكل من خلال الوانها ما يسجد رؤيتها وانفعالاتها وتوحدها بترابها وانسان وطنها على الرغم من ما في توظيفاتها اللونية من علامات تزخر بدلائل حياة مقهورة.

  

جوتيار تمر


- See more at: http://www.alnoor.se/article.asp?id=235721#sthash.NF7myXgw.dpuf

اعتصرت الرؤية الاجهاضية التي تبنتها الشاعرة ضحى من خلال تماسها المباشر مع الواقع البراني الذي تمثل في هزات وعواصف ضربت شواطئ وطنها، فكانت الصبغة الانتمائية طاغية على نصوصها، وكان النفور من ما آلت اليه الاوضاع بمثابة جرح مزمن اصيب به روح الشاعرة، لاسيما انها عاشت مخاض التغيير والثورة التي ارادها الجميع نقطة انطلاق نحو افاق ابعد مما كانت عليه، وكأن الثورة القت بظلالها ومآسيها على روح الشاعرة فجرفتها الى مخاضاتها الموجعة،  وقد ظهرت تلك المخاضات من البدء حيث العنوان " صفقة مع الريح" وكأن مديات الواقع وتمفصلاته قد اوقعت شاعرتنا في حالة من الشك بما ستؤول اليه الاوضاع في وطنها بعدما تلاشى الامان وانتشر الموت المجاني في الشوارع، وتداخلت مضامين الساسة وطموحاتهم مع الحياة الاجتماعية البسيطة التي ارادها الناس بعد ثورتهم فاصبح لسان الحال يقول لقد عقدنا صفقة الحرية مع الريح، لذا نلامس هذا التفاعل الحي والوجداني والعقلي بين الذات الشاعرة وبين الاحداث البرانية، والتي تجلت في صور شعرية ماتعة ورؤى بلاغية ابدعت شاعرتنا في رسمها بالكلمات، ومع تلك المخاضات المتنوعة ظهر اللون كركيزة في الديوان بحيث وجدنا بانه قلما كتبت الشاعرة نصاً في ديوانها دون التطرق الى ماهية لون ما، او حتى الايحاء باللونية سواء كمدلول ايحائي او قصدي، ومن خلال هذه الدراسة النقدية سنحاول التوقف على مصاف اللونية في قصائد شاعرتنا:

لقد ارتكز المعجم اللوني  في ديوان صفقة مع الريح على التعددية اللونية التي يمكن رصد بعض ملامحها ضمن اطارين الاول يعتمد على القصدية كالسواد حيث ورد مرتين، والبياض اربع مرات، كما ورد كل من الاحمر والوردي والاخضر مرة واحدة، وورد النرجسي والفضي مرتين، والثاني الايحائية لاسيما في توظيف لفظة لون التي وردت في  عشر تشكيلات دلالية، بصيغ مختلفة مفردة وجامعة ومقترنة بلونية محددة كالبني والرمادي وبصيغ تشبيهية ايضاً، كما ان لفظة الحبر وردت بشكل واضح في نصوص ضحى وهي اشارة استدلالية يمكن التكهن باحتمالية لونية في بعض مضامينه اذا ما اسقطنا اللفظة على ماهية الكتابة التي وردت بها في اغلب الاحيان الا اننا سنكتفي بذكرها هنا دون البحث في ماوراء استخدامتها، واجمالا اتت اللونية  بدلالات قصدية وايحائية ضمن منظومة مركزة اعتمدت عليها الشاعرة لاغراض شعرية وتشكيلية مختلفة، حيث  يذهب د. دريد يحيى الخواجة الى "ان اللون في القصيدة لاياتي محايداً بل يكون نتيجة احساس في سياق النص، ودلالة ما لها تأثيرها العمق في حملة تجليات النص الخفية، كما انه يعتبر علامة في سياق التعبير الشعري نستكشف دوره في وحدة النص المركزية، وفي تفريعاته التي يردها الى بنية ارتباطاتها في تشكيل النص"،  وهذا ما نلمسه في توظيفات شاعرتنا للالوان بصورة عامة، فضلاً عن ذلك فان الالوان اتت كحراك موازي للذات الشاعرة ورؤاها التي تناسلت ونمت من واقعها سواء على المستوى الانتمائي ام الذاتي الشخصي، وفي كلا المستويين نلامس حراكاً موازيا لاستخدامات اللون بحيث تحقق رؤيتها دون ان تخرج النص من سياقه ونسقه الشعري الحداثي، وهذا ما يجعلنا نعي بان توظيف اللون في مثل هذه السياقات تعني على الارجح رسم صورة نصية مؤثرة. مثلما فعلت في اغلب نصوصها:

يتعبني البياض...تتعبني قبلة عاشق

 واغنية اخر الليل

فهذه الصورة المتجلية التي تعاكس المضمون الظاهري للرؤيا البصرية، باعتبار ان البياض دائما له تأثيره الايجابي والموحي بالسلام والامان، او حتى في الاستسلام، فانه هنا يؤدي دوره التضادي وببصيرة ووعي تام بموجبات المغايرة، لاسيما ان شاعرتنا تعمدت على ان يسبق الفعل المؤثر " يتعبني"  على البياض مما يوحي بعمق الهوة التي تعيشها الذات الشاعرة بحيث اصبح البياض كلون مؤثر بايجابية على الروح والنفس هنا لونا يشير على تعاسة الواقع البراني وصعوبته واحالة البياض الى لون منهك ومتعب على المستوى الدلالي الانتمائي والوجداني معاً وهذا ما يتضح لنا بصورة واضحة من خلال الحراك اللوني ذا التشعب التوظيفي والتشكيلي معاً، فالواقع المغاير الذي حول البياض الى ارهاق وتعب هو نفسه الذي يجعل من الذات تعيش الغربة والوحدة في حالتها الوجدانية، وهذا ما تؤكده الشاعرة في موضع اخر من ديوانها، حيث تبقي البياض ضمن دائرة التعب، والوحشة، والفتنة:

من متعب الى عاشق

يتقاذفه الاشتياق

وماء القلب المخضب بالوحشة والبياض

وهذيان الهواء و الفتنة

هذه التوهيمات البلاغية الدلالية التصويرية الفائقة تجعلنا نعيش واقع البياض الذي تصوره لنا الشاعرة بدقة وحرفية، على اننا نلامس في الصورة الثانية اكثر توحشاً واكثر جدلية في الاخذ بالبياض كلون محرك لتلك الرؤى التي تنادي وتؤمن بها شاعرتنا، فالوجدانية ان سبقت هنا اللونية الا انها كانت المدخل لتعطينا الصورة الاكثر تماساً مع الواقع التي تعيشه، حيث الفتنة التي الحقت الدمار بكل ما هو جميل من حولها جعلتها تضع البياض في خانة الالوان التي لم تعد تؤدي دورها في حياتها ورؤيتها، على الرغم من كونها حاولت ان تفتح للبياض فسحة وممراً للعودة في نص اخر، الا انها فسحة احتمالية تنتظر جيلاً اخراً يأتي ليدفن مخاضات البياض الذي لبس رداء الفتنة، فيعيش بروح الطفولة معبراً عن كينونته:

طفلة تلون الغابة ببياض اللهو

تختصر فيها صوفية العشق

وعلى هذا الاساس تنتظر الشاعرة ا ن ياتي جيل اخر " طفلة" لتلون الغابة ، الواقع المتحول الى خراب فتعيد بلهوها البريء العشق المفقود بروحية التصوف، أي الوحدة والاتحاد من جديد، وهذه الصورة بحد ذاتها تعطينا يقيناً بان الشاعرة لم تقع في اليأس المطلق انما لم تزل تعيش وقع امل ربما ليس بقريب ولكنه ليس بمستحيل، ولا يهم ان كان حلماً في الاساس لانه سيحمل في الاول والاخير لوناً ما يغير معالم الموجود، ولهذا نجدنا في نصوص كثيرة نعيش وقع اللونية بصورة مغايرة تماماً بحيث لاتعطينا الشاعرة لوناً  معرفياً محدداً الا من خلال السياق العام للفظة اللون نفسه، ولكنها في الاغلب مرهونة بحلم آت واخر مدفون او على وشك الدفن:

يمضي حلم

والجسد يزداد سوء في لون الغيوم

حلم يجيء يراق في دمه طفلة...

الحلمية هنا ليست توليفة وهمية، انما هي ارتباطية حسية ادراكية لمحركات الواقع والاحساس الداخلي للذات الشاعرة، فالحلم ان ظل في مساره سائراً، فانه قد يكون بلون ماء، وليس مستحيلاً ان يلبس لون الغيوم، وهذه الغيوم هي المحرك والفيصل في تحديد سياق اللون نفسه، لكون الغيوم عادة ماتكون سوداء، وفي سوداها احتمالية اخرى تفوق اللون نفسه باعتبارها تكون بردائها هذا ماطرة، ولهذا نجد الحلم يلبس الجسد والجسد يلبس لون الغيوم فتحرك مساحة الحلم لتراق في النهاية " طفلة" هذه المعادلة الصعبة في كل مستواياتها تتخذ من معبر لفظة اللون احتمالية مغايرة عن تلازمية اللون الاسود للغيوم، حتى ان الشاعرة نفسها تأتينا بصورة اخرى تعقب الامطار فتجعله مدخل للتمازج بين ماهية الامطار وماهية اللون البني" الترابي" هنا:

تتناوب عليه الامطار

ويغيب اللون البني وصغار الجن....

التعاقب الذي اولدته الشاعرة هنا، الامطار، اللون البني، صغار الجن، هو في تشكيله الظاهر يوحي بصورة مختصرة لوجودية الكائن الانساني، فاذا ماء جعلنا الصورة الرامزة هنا تحكي بمنطق ووعي سنجد بان الماء والتراب والحياة كعناصر اساسية للتكوين تراكمت معا لاينقصها الا النار ليصبح المشهد متكاملا لاسيما وانه مرهون بجذع النخلة  في قصيدة " مريم"   أي في الصورة الاساسية التي تأسست منها اشكالية التناوب، لهذا السبب ان الصورة التي تثبت اللونية هنا بتلازمية البني هو الاصل الترابي الذي توشك الشاعرة ان تعطيه شكل مغاير لكونه اصبح مرهوناً بمترتبات لاثبات لها على الرغم من تاريخيتها وعمقها في الوجود ...

منذ خطيئة في باطن حدقتي

وانا الهو بلون يثير شهيتي للغناء

حين نحدد جغرافية الوجود نعيدها في بعض الميثولوجيات الى الخطيئة، لكن هنا حتى لايكون الالتباس ممكنا نستقطع اداة التعريف عنها" خطيئة" لنوظفها ضمن اطارها الجغرافي المحدود جداً ف " حدقتي" لاتعطي احتمالات كثيرة خارجة عن نطاق الذات الشاعرة، لاسيما انها تلحقها ب" انا" حيث لامجال للتفكير خارج هذا الاطار المحدد، لكن هذا في الوقت نفسه لايعطي انطباعاً بامكانية التأويل الواحد لماهية " خطيئة" بل تعطينا مساحات تخيل غير محددة يمكن ان تتضمن خطيئة وجدانية او خطيئة انتمائية بالاخص ان الثانية هنا توشك ان تغطي اغلب المسامات الوجدانية والفكرية داخل الديوان فالانتماء له الاولوية في توظيفات شاعرتنا حتى وان كانت قد اتسمت بالكثير من الالم، ولعلي اغاير الصورة الظاهرة لشهية الغناء هنا باعتباره غناء من الصدمة الممهدة لتأويلات عميقة مرتبطة بصميم الحراك الشعري والشعوري:

الليل يرغمنا على التأويل

والالوان تتسع في القصيد وحلم الفقراء

هذا مانسميه قيمة الصورة الرامزة النابعة من الاحتمالية اللونية التي توظفها الشاعرة في ديوانها المبني اصلا على اساس توهيمي بلاغي تشكيلي، او بالاحرى امكانية طرح الافتراضية التي تحيل سيمائية اللون الى رمز له فاعليته الخاصة في بنية القصيدة ومسارها البلاغي التشكيلي، فبمجرد تأمل المشهد الليل المقترن بالتأويل ندرك وقتها ان الحالة تتخذ مساراً مغايراً ، لهذا تاتي لفظة" الالوان" هنا بدون قصدية تحديدية انما شمولية ايحائية تخترق بنية القصيدة ولاتقف عند حدودها الظاهرية بل تتعداها الى حلم الفقراء باعتبارهم هنا هم اساس الفعل الحدثي المقترن بتأويلية الليل، والمحرك للذات الشاعرة لرصد الحراك البراني المتيقن بما تؤول اليه الحالة نفسها طالما انها اقترنت بحلم الفقراء، وهذا بالتالي ما يحرك فيها دمها بدهشة من لم تتوقع ان تصبح الامور بهذا الشاكلة المغايرة للتصور...

يفيض دمي الملون بالدهشة

افتح للماء الناعم ذاكرة اخرى

عامل الدهشة هو المحرك الفعال في صيرورة " يفيض" لكون مترتبات السابق تعطي مساحات ممتلئة يمكن من خلالها ادارك ماهية " تفيض" بل احيانا توجبها لكمها الهائل، لكن ما يخلق الدهشة هو كون الدم اقترن هنا بلونية مستحدثة في تعبير عن كون ما يجري لاينتمي اليه، وهذا ما احال الذات الشاعرة الى توظيف الدهشة كمقترن استدلالي للونية الدم نفسه، فضلاً عن استحداث قرين اخر ينتمي الى الدم في تكوينه "الماء" وبنعت يبعث هو الاخر الى الدهشة " الناعم" باعتبار ان الماء لاينعت كما انه لاينتمي الى لونية اثباتية، لكن تلك التوظيفات اجمالاً اتت لتؤثث لعوالم ارداتنا الشاعرة ان نقيسها وفق معايير البراني المستحدث اصلا في فعله المؤثر بحيث يصبح الواقع غير الذي تم انتظاره، ولذلك تنشط الذاكرة فتصطدم بالموجود، مما يحيلها الى اللجوء بخلق ذاكرة اخرى غير التي امتئلت بتلك الصور، ولاج لان تفعل ذلك عليها ان تستند الى العاطفة هنا لايجاد معبر آمن لرؤاها وروحها ....

جربت ان ارتدي لون يديك

واتقاسم معك الخطوات حين تبتعد عنا الارض

هذه التوهيمة الصوفية هي قمة التأثر بالواقع البراني وقمة التأثر بمترتبات الحدث العام الذي اعطت صورة مغايرة تماما لما كانت الذات الشاعرة تنتظره،  فاضطرت الى خلق ذاكرة تعيد بعض الصور المعلقة في اللاوعي والتي اصلا كانت تنتظر استفاقة من الوعي لتكون جاهزة في اداء دورها الوجداني الانتمائي معاً، وهذه الصور وان اتت مغايرة للنسق العام للحراك التوظيفي اللوني السابق الا انها استكمال طبيعي للصيرورة الذاكراتية لدى الذات الشاعرة، وهي لاتتوقف بمجرد وصف الحالة المتاحة والفعالة آنياً انما هي استمرار لفعل كائن مؤثر على روحية الشاعرة وتنتظر من الواقع صورة تبعدها عن مترتبات الصفقة التي لم تكسب الروح الامان..

يسقط غصنك المنحني فوق غيم خفيف

يطفو من مخيلة ليلتك لون الروح الرمادي

فعل الاسقاط ليس بتعبير مجاني عبثي استخدمته الشاعرة لرسم ملامح شيء محدد، انما هي استعارة تبعث الدهشة المستكملة للدم الملون بالدهشة، فارتابط "يسقط" ب" غيم" ومن ثم ب " لون الروح الرمادي" تجعلنا نعيش وقع الرؤية بتجليات متباينة في احداثياتها التشكيلية واستنباطاتها التأويلية باعتبارها تثير تعددية تأويلية واضحة من حيث التناغم البنيوي للغة والرؤية معاً، وهي في الاصل اتت مكملة لاسقاطات لونية اخرى سابقة ولاحقة وظفتها الشاعرة لايصال الصورة بتقنية الدهشة التي اعتمدتها في جذب مكونات الصورة نفسها، على اعتبار ان رمادية الروح هنا ليست بامر طارئ انما هي امتداد للحراك السلبي البراني الذي اثر في كينونة الروح واخرجتها حتىذاكرتها الاخرى التي استعانت بها، ولهذا نجد بان الشاعرة تعيد رسم الصورة باللون الرمادي لكن هذه المرة تعيره للدم  " لم اكن قريبة مني لكن خفقة الدم خلف اللون الرمادي ،، تزيح الحلم في منتصف النعاس .."  وبتضاد مع الروح الصوفية التي حاولت قبل الان ان تلجأ اليها باعبتار ان الذاكرة الاخرى ايضا لم تستطع ان تستوعب مرتبات الواقع البراني فادخلت الروح في معترك الانفصام مع كينونتها ودمها واحلامها، وفي محاولة جادة من الذات الشاعرة ان تستوعب الموقف الاجمالي حاولت ان تستعين بصورة رامزة مؤثرة في بنية القصيدة ومعبرة عن الانتمائية المغايرة للصورة الظاهرة " الكف المرفوع كلون الشمس ..." هذا الكف يمكن تخيله يراود مقبض الباب بصورة مغايرة بعيدا عن التجسد السطحي، حيث يمكن ان تحيلنا الى ذلك الكف التي تريد تغيير الواقع دون ان تلجأ مضطرة الى مغادرة جغرافيتها، وهي بذلك تؤثث لون الشمس كمدخل استعلائي لتلك الكف المطالبة بحق وجودها وحق الابقاء على محصلات الفكر القائم من اجل تغيير الواقع وليس من اجل صور وهمية تحاول طفلة ما ان تغير ملامحها بلهوها البريء وهي في الاصل تلهو في الغابة، وهذا ما جعلت الشاعرة تدخل معترك التساؤلات لتخرج من تجويفاتها الحلمية المنغلقة على اثارة اللونية كمنطلق اساس للتصوير والسؤال وفجر اخر..

من وضح الحلم اكتبه واراهن الحياة بصورة وسؤال

ثم ادخل الصحو بالوان تستكمل بهاء الفجر

يقدم لنا هذه الصورة في سيمائية اللون شيئاً مختلفا من حيث الاسيقة الشعرية السابقة باعتباره هنا يمنطق تلك المسارات من اجل استحداث نمط وجودي اخر، لهذا نلامس فيه اختلاق صحوة فعلية في التشكيلات البلاغية  للفظة " اللون " التي اعتمدتها الشاعرة بحيث اصبحت هنا اكثر نضجا من حيث الفكرة التي اراها تتكئ على ما تثار من احتمالات المعنى وتنسج علاقات منتظرة، في كينوتها وهذا ما يمكن ملامسته من تغير البنية اللغوية في توضيحاتها الدلالية الموظفة ضمن الاطار الحلمي، فمن احلام مسكونة بتعبية الواقع نجدها تنطلق من الحلم نفسه لايصال رؤاها المتقدة والتي تبدأ بالكتابة كايحاء بالبدء او بداية جديدة، ومراهنة الحياة من حلال معتركه الاكثر ايحاءً التصوير والتساؤال وكل هذا من اجل اثبات الرؤية التي تستحق المحاولة بنظر الشاعرة والتي من خلال تدخل الصحو بالوان اخرى غير التي سبقت وان اجهضت امانيها بواقع مغاير وجديد لاسيما بعد الصفقة الاكبر في تاريخها، صحو فيه فجر مكتمل،، وعلى الرغم من ان الشاعرة نفسها تعي صعوبة الامر الا انها اغتنمت تلك الصحوة في ذاتها لتعبر عنها بشفافية لونية واضحة وذلك لكون ان قلبها لم يزل محملاً بالكثير من الاماني..

وكان قلبي يحمل خضرة قميصي وحرية العبارة..

تلك هي النقطة التي تنطلق منها عبارتها المحملة بالكثير من الاماني  علها ترسو على شواطئ الحرية المنشودة والتي من اجلها كانت الصفقة الاهم في تاريخ وجودها، ولذلك نجدها تغاير النسق العام لاستخداماتها اللونية فتأتي هنا ب" خضرة" كمدلول واضح لاهمية الترابط الزمكاني في نصوصها الناقلة لواقع الانتمائي من جهة، ولتصوراتها لذلك الواقع بعد التغيير من جهة اخرى، والاعتمالات التي تريد ان تؤثث عوالمها القصية كمدخل مغاير لما كان ولما هو الان، فلتجأ الشاعرة من اجل تفعيل تلك الرؤى الى محددات لونية واضحة ومسميات اقترانية تفيض الاحتمالية مثلما نجدها في هذه الايقونة" هنا نرجسة تحت سماء تحوم في فضاء لايرى" و في " تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة.." وفي " نشتهي الفاكهة في الجمر .. نعبر النرجس الشبقي.."، نجد في هذه الالتقاطات سواء من حيث تكرار اللون او تلازميتها لمقترنات ذات دلالات انتمائية واخرى وجدانية صوفية، علاقة متينة بالصياغة التي قد لاتلتزم بالتوجه الى توظيف الدلالات اللونية مباشرة بل تعمل على صياغتها وفق معطيات متداخلة يحفز وتنشط الكشف والتحليل، وبلاشك يعد هذا من احدى مرتكزات النص الشعري الحداثي الذي يحتفي بالمغايرة في اسستثمار اللونية وجمالياتها في تشكيل النص وفي  مكوناته، فلكل من " الفضة" و"نرجسة" سياقاتها المحددة ضمن اجمالي النسق الشعري النصيي الحداثي هنا، مما يحيلنا بالتالي الى استقدامات تلازمية اخرى يمكن من خلالها صياغة الرؤيا الاجمالية لهذه الالتقاطات اللونية ذمن مسمياتها وجغرافيتها، وعلى هذا الاساس يلزمنا تتبع خطاها لمعرفة منطقها المخصوص لاسيما انها تكررت في مواضع اخرى بدلالات وصور يستنبط منها توحشاً كما في" وهم يقتسمون حلمك..يفتحون قميصك الفضي للريح..." فهذه الصورة المتوحشة والتي تنقل بجدلية واضحة الواقع العياني الذي بات يعيشه الانسان في وطنها يجعلنا نعيش وقع قولها تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة من قبل، وهي الصورة المتوحشة نفسها التي جعلت منها تقحم وربما لاول مرة الاحمر في مقتضيات رؤيتها حين تقول " يتمدد في العراء كذئب... ثم يختض.. يحمر ويغدو قبيلة بين جمر وحصى..." ان هذه الرؤية المتوحشة التي تعطي  صورة الواقع الانساني في وطنها تبهر وتثير الدهشة فهذه التراكيب قلما تجتمع في نص ابداعي حداثي لكونها تراكيب يمكن ان توظف ضمن سياقات تضادية مغايرة في بناها الشعرية القصدية منها والايحائية، ولكن الشاعرة وبثقة وظفتها لتعطينا موقفها من جهة، وتصويرها للواقع من جهة اخرى، وتنبأها للمستقبل كرؤية مستقلة باعثة على التأمل فهذا التناسل الذئبي لاياتي  لينثر عبق الورد في الواقع انما سيخلق ممرات ومساحات دم لانهاية لها..وعلى ايقاع الدم يختمر رؤاها لتحول الحلم المجهض في البداية والباحث عن انتفاضة في وقت ما الى الالتجاء للسواد كمعبر عن هويته الجديدة..

كنت وحدي اعبث بالفيض

انسخ الفجر على لوح الحلم...واذرع السواد

كنت اصبغ الليل بخلوته..

تنوعت سياقات اللون في نصوص شاعرتنا حتى انها اعتمدت الكثير من الاعتمالات بشقيها الاملية واليأسية الا انها اجمالا انتهجت التعبير عن مكنونها الذاتي الشخصي وموقفها تجاه البراني " الوطن" ضمن نسق متصاعد، حتى اصبح تنبأ بما لايمكن تصوره بسهولة، ولهذا نجدها تنبهنا الى نقطة الحسم في كونها لاتاتي برؤاها من فراغ وانها تتحمل مسؤولية ما تقوله فعبثها بالفيض لاياتي اعتباطيا انما من قناعتها وادراكها بالموجودات والمؤثرات التي تفيض عليها من كل صوب فتجعلها تارة تعيش وقع الحلم المجهض وتارة وقع الحلم المتمرد على الواقع والباحث عن بداية جديدة، وتارة اخرى عن الحلم الذي يكاد يتم وأده دون ان يحفظ للفجر من مساحة، فتأتي التقاطاتها الشعرية موحية بتفنن ووعي لتضفي على الايقاع الجواني حتمية التمازج بينه وبين البراني، وهذا ما يجعلها في كل مرة تصل الى هذا اليأس ان تتخذ من الطفولة ممرا لفتح ممرات جديد على الرغم من توارثها للسواد..

سماء البارحة هي نفسها

سوداء جدا في حدقة طفل

وعصفور بريش منخك

تلك هي الصورة التي باتت تؤرق روحها وامانيها وكل موجوداتها ، فالزمنية هنا ليست محددة بقدر ما هي امتداد منغرس في الوقت نفسه، حيث توق الشاعرة الى حياة جديدة غير التي كانت وآلت اليه الامور في حاضرها تجبرها على الانقياد لميلادات جديدة والطفولة هي التي ترمز لتلك الامتدادات المتجددة في رؤاها والتي تحاول ان تخرج من يأسها ووقع البراني عليها، حتى وان كانت ستتخذ مسارات غريبة لكنها في الاصل مسارات تعطي انفراجاً وحرية وحياة اخرى..

هذا الذي يتوسط بين ارض تكتمل بعشاقها

والمشهد الضيق بصرخة في اتجاه التوابيت الوردية

تلك هي المساحات التي تريد الشاعرة ان تخلقها في انصهارها الذاتي الشعري هنا، حيث الاتحاد والحلول بالتراب الذي يضم تحت انقاضه رفات ارواح من ارادوا للواقع وردياً لمن يأتوا من بعدهم دون ان يكون الدم والسواد هما ما يلونان الواقع، وبهذا تنتقل الالوان في مخيلة الشاعرة الى محاكاة الواقع" الوطن" و "الانسان"  الى لغة الروح بكل ما تتناوبها من اتكاءات المشاعر على حركة النفس التي تريد ان تتشكل من خلال الوانها ما يسجد رؤيتها وانفعالاتها وتوحدها بترابها وانسان وطنها على الرغم من ما في توظيفاتها اللونية من علامات تزخر بدلائل حياة مقهورة.

  

جوتيار تمر


- See more at: http://www.alnoor.se/article.asp?id=235721#sthash.NF7myXgw.dpuf
النشرة البريدية

جميع الحقوق محفوظة لموقع المنتخب الثقافى © 2013
  تصميم و تطوير و استضافة دى سونيك دوت نت